سوسن مهنا

السبت ٧ شباط ٢٠٢٦ - 17:26

المصدر: independent عربية

وفيق صفا… “الصندوق الأسود” الذي أصبح عبئاً على “حزب الله”

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي، بخبر استقالة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق، في “حزب الله” وفيق صفا، في سابقة هي الأولى من نوعها داخل هذا الحزب، لا بوصفه تبديلاً إدارياً عابراً، بل كحدث استثنائي يكسر أحد أكثر المحرمات صلابة داخل “الحزب، وهو خروج مسؤول أمني وسياسي من الحلقة الصلبة للحزب في ذروة تخبطه داخل أزماته، بعدما بدا أن أحداً لا يترك الحزب وهو على قيد الحياة، ومن سبق وتركوا مناصبهم قتلتهم إسرائيل باغتيال مباشر.

وكانت “اندبندنت عربية” تواصلت مع أحد المصادر المقربة من الحزب، الذي أكد أن الاستقالة كانت منذ شهرين، ولكن مجلس شورى الحزب وافق عليها أخيراً. وأن المعلومات المتداولة عن تعيين المسؤول في وحدة العلاقات الدولية الدكتور أحمد مهنا، وهو مساعد النائب محمد رعد، غير دقيقة. وأن من سيحل مكان صفا سيعلن عنه في بيان رسمي كما جرت العادة داخل الحزب.

ويتابع المصدر أنه من المعلوم أن الحزب اليوم، ليس هو الحزب ما قبل “حرب الإسناد”، والأعمال التنظيمية تجري على قدم وساق، ومنذ ثلاثة أشهر، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة التي يمر بها لبنان والمنطقة، وقبول استقالة صفا جاءت بعد إصراره، وبسبب إعادة هيكلة الحزب التي ستكون واضحة شكلاً ومضموناً.

قبل أشهر، خرجت تقارير لتتحدث عن تقليص صلاحيات صفا منذ بداية التغييرات التي حصلت داخل هيكل الحزب، وقيل إن صلاحياته انتقلت إلى حسين أبو رضا المعروف سابقاً بـ”الحاج ساجد”، فيما أفادت وسائل إعلام محلية أن بديله كرئيس للوحدة هو حسين العبدالله، أو حسين بردى، ولكن لم يصدر حتى اللحظة أي تأكيد أو نفي من العلاقات الإعلامية التابعة للحزب.

ماذا يحصل داخل الحزب؟
ما يجري اليوم لا يمكن قراءته إلا كإشارة لتحول داخلي عميق، يعكس ارتدادات ما بعد “حرب الإسناد” التي انطلقت في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ولا تزال مستمرة حتى اليوم، ومحاولة الحزب إعادة ترتيب بنيته وواجهاته تحت ضغط الخسائر والانكشافات.

فهذه ليست استقالة تقنية، ولا إعادة تموضع شخصية، لمسؤول أمني تعب من دوره. ما جرى اليوم هو كسر تابو داخلي داخل “حزب الله”، للمرة الأولى “يُخرَج” مسؤول بهذا المستوى، وبهذا الثقل، من الحلقة الصلبة التي كانت تُقدم دائماً على أنها مغلقة، محصنة، وفوق المساءلة.

يستقيل وفيق صفا لأن الحزب لم يعد قادراً على تحمل كلفة الاستمرار بالصيغة نفسها التي حكمت سلوكه منذ أعوام، لا أمنياً ولا سياسياً ولا تنظيمياً. الرجل لم يكن مجرد مسؤول إداري، كان واجهة دولة داخل الدولة، وقناة الاحتكاك المباشر مع القضاء والأجهزة والملفات الحساسة. وحين تسقط هذه الواجهة، فهذا يعني أن الخلل لم يعد تفصيلياً بل بنيوياً.

“حرب الإسناد” سلسلة هزائم مركبة
ما بعد حرب “الإسناد” ضد إسرائيل، لم يعد كما قبلها. هذه الحرب، التي أُريد لها أن تكون استعراض قوة محسوباً، انتهت عملياً إلى سلسلة هزائم مركبة، فشل في فرض معادلة ردع جديدة، واستنزاف عسكري بلا مكاسب استراتيجية، وانكشاف أمني واسع، وتآكل إضافي في صورة الحزب داخلياً وخارجياً. الأخطر أن نتائجها لم تُترجم إلى “نصر سردي” يمكن تسويقه للبيئة أو للحلفاء، بل إلى سؤال داخلي قاسٍ، “ماذا ربحنا مقابل ما خسرناه بشرياً وعسكرياً وربما الأهم اقتصادياً؟”، وذلك وفقاً لعديد ممن تتحدث معهم “اندبندنت عربية”.

في هذا السياق، تصبح استقالة وفيق صفا إشارة وليست حادثة، إشارة إلى صراع مكتوم داخل الحزب بين من يريد الاستمرار بالنهج نفسه، نهج القبضة الأمنية والفرض بالقوة، وبين من بات يدرك أن هذا الأسلوب صار عبئاً لا أداة قوة. فبعد الحرب الأخيرة، لم يعد ممكناً إدارة العلاقة مع الدولة اللبنانية، ولا مع الخارج، بالمنطق ذاته، ولا بالأسماء ذاتها، ذلك أن الكلفة ارتفعت، والهامش ضاق، وأي خطأ بات يُحسب مضاعفاً.

والأهم أن ما يحصل داخل الحزب ليس “محاسبة” بالمعنى الكلاسيكي، بل إعادة تموضع اضطرارية. فالحزب لم ولن يعترف بالهزيمة علناً، لكنه يتصرف على أساسها تنظيمياً، تخفيف الواجهات الصدامية، وإبعاد الأسماء ذات الكلفة العالية، ومحاولة إعادة ضبط العلاقة مع الداخل اللبناني في لحظة حساسة إقليمياً ودولياً.

ووفيق صفا، بكل تاريخه وملفاته وعقوباته، أصبح عنواناً لهذا العبء، لا رصيداً له. يذكر أن آخر ظهور إعلامي لصفا، كان في 25 سبتمبر (أيلول) 2025، عند صخرة الروشة في ذكرى اغتيال أمين عام الحزب حسن نصر الله.

فمن هو وفيق صفا؟
وفيق صفا هو أحد أكثر رجال “حزب الله” العملانيين نفوذاً، وأقلهم ظهوراً بمعناه السياسي العلني. ليس خطيباً ولا قائداً ميدانياً على الجبهة، بل رجل مفاصل، فهو من يربط الحزب بمؤسسات الدولة حين يريد، ومن يقطع الخيط حين يريد، ومن يفتح القنوات الخلفية حين تصبح السياسة عاجزة عن الكلام. ويصح وصفه بأنه “صندوق الأسود” التابع للحزب، وبنك معلوماته، وكان يقدّم داخل المنظومة كمسؤول أمني وسياسي في آن، وظيفته الأساسية تاريخياً كانت إدارة “منطقة التماس”، بين الحزب والأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية، من الأمن العام، ومخابرات الجيش، وقوى الأمن، غيرها، من مؤسسات القضاء والملفات القضائية الحساسة، والوسطاء السياسيين والمرجعيات، وقنوات التفاوض غير المعلنة، أي تبادل الأسرى والجثامين، والرسائل الأمنية، والتهدئة، والوساطات.

لذلك يُلقب أحياناً، في التداول غير الرسمي، بوزير داخلية الحزب، أو وزير أمنه السياسي، لأنه كان يدير قوة القرار، من يُمرر، ومن يُمنَع، ومن يُستثنى، وكان تعبير “بسلم عليكم الحاج” في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة اللبنانية، كي يعرف من هو المقصود، كما أن حادثة تهديده لقاضي التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت (2020) طارق بيطار من داخل قصر العدل بـ”قبعه” (إزالته من مكانه)، أثارت حينها ردود فعل دولية، وأهمها موقف لرئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، والعضو المنتدب فيها السيناتور الجمهوري جيم ريتش رداً على تعليق عمل بيطار، فدعا الحكومة اللبنانية إلى “الحفاظ على سلامة القضاة، الذين يتولون التحقيق في الانفجار المروع الذي هز مرفأ بيروت”.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها