المصدر: صوت لبنان
إذا كانت الجغرافيا غير مهمة، فلماذا كانت مزارع شبعا مهمة؟
التراند السائد حاليا بين جمهور حزب الله، ان الجغرافيا غير مهمة!
جديد حزب الله ان احتلال إسرائيل لمناطق واسعة من الجنوب، هو مجرد تقدم جغرافي قليل الأهمية!!
ولا قيمة له ولا يمكن اعتباره تحولا في مسار المواجهة..
تصدر هذه المواقف بعد ان تغلغلت اسرائيل واصبحت تحتل شريطاً يتراوح بين 7 و10أكثر من كلم، قابلة للتوسع؛ بعد أن كانت قد انسحبت تماما عام 2000 وتحرر الجنوب، لكن حزب الله وحافظ الاسد اخترعا حينها قضية مزارع شبعا، لتبرير استمرار الحزب بحمل السلاح. والتسليح الكثيف للحزب حصل بعد التحرير، فحوّل لبنان الى ثكنة مدججة بالصواريخ والأسلحة، فوق الأرض وتحتها.
في الوقائع الميدانية:
هناك تقدّم إسرائيلي بري متعدد المحاور باتجاه الليطاني مع محاولات محاصرة بنت جبيل، بعد احتلال الخيام.
القرى الجنوبية تتعرض لسيطرة جزئية أو كاملة مع تثبيت مواقع على التلال والمحاور الاستراتيجية.
يجري عملياً تقطيع الجنوب وعزل مناطق عن بعضها البعض عبر ضرب الجسور والبنى التحتية.
هذا ليس تفصيلاً، إنه إعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة.
سردية الحزب التي تقول “الجغرافيا غير مهمة” تنهار أمام ثلاث حقائق أساسية:
كل حروب حزب الله بُنيت على الجغرافيا:”تحرير الأرض” (2000) تعني إعطاء قيمة للجغرافيا، ذريعة “مزارع شبعا”، هي ذريعة جغرافية. خطاب “حماية الجنوب” هو خطاب جغرافي.
ما يعني ان إلغاء أهمية الجغرافيا اليوم هو نسف كامل لشرعية الأمس.
إذا كانت الأرض لا تهم، فلماذا حملتم السلاح أصلاً؟
إن ما يجري الآن هو نقيض ادعائهم بالكامل، البعض يقول:”حتى ولو دخلت ألف دبابة، لا قيمة لذلك، إسرائيل خاسرة!”.
لكن الواقع يقول: السيطرة على التلال هي سيطرة نارية، الوصول إلى الليطاني هو هدف استراتيجي قديم (منذ 1978 و1982)، عزل الجنوب يعني تغيير ميزان القوة.
في العقيدة العسكرية: إن من يفقد السيطرة على الأرض فهو يفقد عمقه ويفقد قدرته على المناورة ويتحول إلى قوة دفاعية محاصرة.
التناقض الآخر في إدعاءات حزب الله، أنه برر في السابق حمله للسلاح بمزارع شبعا (عدد محدود من الكيلومترات)، أما اليوم فيجري فقدان عشرات القرى والمساحات الواسعة. ينتج عن ذلك مفارقة صادمة: ما بُني من أجل “شبر أرض” انتهى إلى خسارة مساحات واسعة من الأرض نفسها. وهذا فشل استراتيجي موصوف.
وإذا أردنا أن نحلل اللماذا خلف قولهم أن الجغرافيا غير مهمة؟ نجد أنها آلية نفسية/إيديولوجية، بمعنى أنهم يريدون إدارة الهزيمة في عملية تنافر معرفي Disonnance cognitive. فعندما لا يمكن إنكار الواقع تتم إعادة تعريفه: مقابل خسارة الأرض يقال أنها غير مهمة.
وهذا نموذج كلاسيكي في علم الاجتماع السياسي؛ في تحويل الصراع من مادي الى عقائدي: الأرض غير مهمة، ينحصر النصر بالصمود، والهزيمة مجرد مرحلة.
تتحول الحرب على الأرض، الى حرب على المعنى. وهذا ما شرحه رينيه جيرار: العنف يستمر عبر إعادة تفسيره، لا عبر إيقافه.
يهدفون من ذلك الى حماية شرعيتهم. فإذا اعترفوا بأن الأرض مهمة، سيُسألون: أين الأرض التي وعدتم بحمايتها؟ أين البناء الذي وعدتم بإنجازه؟ لذلك الحل الوحيد هو إلغاء معيار القياس نفسه.
إن ما يسمونه “عدم أهمية الأرض” هو في الحقيقة اعتراف غير مباشر بالعجز عن حمايتها.
وهذا ما يجعلنا نعيد تعريف ما يجري، ان ما يحصل ليس “تقدّماً تكتيكياً لإسرائيل” بل إعادة احتلال تدريجية لشريط أمني جديد.
إن السلاح الذي قيل انه لحماية الأرض والإنسان، أصبح سبباً في خسارتهما. وهذا ما يضرب شرعيتهم من أساسها.
أما فيما يتعلق بالواقع اللبناني، إن لبنان تحديداً، وهو بلد صغير بلا عمق استراتيجي ومحاط بقوى أكبر منه، يجعل من الجغرافيا أكثر من مجرد عامل… بل شرط وجود. إن أي خطاب يلغي الجغرافيا في لبنان هو عملياً يلغي فكرة لبنان والدولة نفسهما.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها