المصدر: صوت لبنان
إيران العطشى، هل تصل الحرب إلى المياه؟
في إيران، لم تعد المياه شأنا بيئيا أو خدميا فحسب، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لأزمة الحكم، ومؤشر على هشاشة الداخل، وسلاح محتمل في حروب المستقبل. فايران، مصنفة ضمن الدول ذات المخاطر المائية المرتفعة للغاية، لا تواجه الجفاف وحده، بل تدفع ثمن تراكم طويل من سوء الإدارة، والتوسع الزراعي غير المستدام، وبناء السدود، واستنزاف المياه الجوفية، وتضخم المدن الكبرى على حساب الموارد الطبيعية. ومن هنا، لم تعد أزمة المياه مجرد نقص في الإمدادات، بل أصبحت قضية أمن قومي تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
حين تتحول الأنهار إلى حدود سياسية
تتضح خطورة هذا الملف أكثر عند النظر إلى الجبهة الشرقية لإيران، حيث تكشف أزمة المياه مع أفغانستان أن الصراع على الأنهار قد يكون، في بعض الأحيان، أكثر حساسية من الصراع على الحدود. فجوهر الخلاف يدور حول نهر هلمند، الذي تعتمد عليه مناطق واسعة في سيستان وبلوشستان، وهي من أكثر المحافظات الإيرانية هشاشة وفقرا. وقد منح اتفاق عام 1973 إيران حصة من مياه النهر في السنوات الطبيعية، لكن تنفيذ الاتفاق ظل موضع نزاع دائم. وبعد عودة طالبان إلى الحكم، ازدادت شكوك طهران في أن كابول تستخدم السدود، خصوصا كمال خان وكجكي، كورقة سيادة وضغط. وبينما تقول أفغانستان إن الجفاف يقلص التدفقات المائية، ترى إيران أن طالبان تحجب المياه وتفاقم أزمة شرق البلاد.
ما قبل الحرب، عطش داخلي وانكشاف اجتماعي
قبل الحرب الأخيرة، كانت البلاد تعيش أصلا حالة عطش داخلي متصاعد. فالجفاف، وانخفاض معدلات الأمطار، وتراجع مخزون السدود، وتدهور شبكات التوزيع، جعلت مدنا كبرى مثل طهران ومشهد وأصفهان أمام احتمالات التقنين والانقطاع. وفي الجنوب، بقيت احتجاجات خوزستان حاضرة في الذاكرة السياسية، بعدما تحولت المياه هناك إلى شعار ضد التهميش وسوء الإدارة. وبذلك دخلت إيران الحرب وهي مكشوفة مائيا، خزانات ضعيفة، وشبكات متعبة، وأقاليم غاضبة، ومجتمع فقد جزءا كبيرا من ثقته بقدرة السلطة على إدارة الموارد الأساسية.
هذا الانكشاف جعل المياه أكثر من مجرد أزمة خدمية. فقد أصبحت نقطة ضعف استراتيجية، يمكن لأي مواجهة عسكرية أو سيبرانية أن تضاعف أثرها بسرعة.
الحرب والمياه، من الضرر الجانبي إلى سلاح الضغط
مع اندلاع الحرب، تحولت هذه الهشاشة من أزمة كامنة إلى نقطة ضعف قابلة للاستهداف. فقد برزت المياه، خلال المواجهة، كهدف حساس أو كضرر جانبي بالغ الخطورة. وتحدثت تقارير عن استهداف أو تضرر محطة تحلية في جزيرة قشم، وعن أضرار في خزانات مياه بمنطقة بماني جنوب إيران، قرب مضيق هرمز. كسرت الحرب حاجزا خطيرا، لم تعد الطاقة والموانئ والرادارات وحدها في دائرة الاستهداف، بل دخلت مرافق المياه أيضا إلى معادلة الضغط والردع.
هنا يبرز السؤال الأخطر، هل تجرؤ إسرائيل على نقل المواجهة إلى هذا المستوى؟ نظريا، تستطيع إسرائيل استهداف بنى تحتية واسعة داخل إيران إذا عادت الحرب، لكنها ستتردد على الأرجح قبل ضرب مرافق مياه مدنية بشكل مباشر. فمثل هذا الاستهداف يمنح طهران ورقة دعائية قوية، ويزيد الغضب الشعبي، ويفتح الباب أمام اتهامات قانونية وسياسية خطيرة. غير أن الخطر الأكبر قد لا يأتي دائما من صاروخ أو طائرة، بل من هجوم سيبراني يعطل محطات الضخ، أو أنظمة التحكم في السدود، أو شبكات الكهرباء المرتبطة بمحطات التحلية. بالنسبة إلى إسرائيل، قد يبدو الخيار السيبراني أقل كلفة سياسيا من قصف مباشر لمنشأة مدنية. أما بالنسبة إلى إيران، فهو سيناريو مرعب، لأنه يضرب نقطة ضعف موجودة أصلا، الندرة، وسوء الإدارة، وفقدان الثقة الشعبية.
لذلك، يمكن القول إن المياه باتت في الحالة الإيرانية سلاحا صامتا. فإيران لا تواجه أزمة مياه فقط، بل تواجه أزمة دولة. وحين تجف السدود، وتتفاقم الخلافات مع أفغانستان، وتتضرر مرافق المياه في زمن الحرب، تصبح المياه جزءا من معادلة الردع، لا مجرد مورد طبيعي. وإذا عادت المواجهة مع إسرائيل، فقد لا تكون الضربة الأخطر تلك التي تستهدف منشأة نووية أو قاعدة عسكرية، بل تلك التي تجعل ملايين الإيرانيين يشعرون بأن الحرب وصلت إلى امدادت المياه في بيوتهم. ففي الشرق الأوسط، قد يبدأ الصراع بالصواريخ، لكنه كثيرا ما ينتهي عند المياه.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها