المصدر: صوت لبنان
استراتيجية الامن القومي الأميركي بين إعادة تموضع الأولويات وتحوّل التحالفات
تشهد الولايات المتحدة في عهد إدارة دونالد ترامب تحوّلاً عميقاً في اتجاهات الأمن القومي، يكشفه بوضوح الخطاب الأخير للسيناتور جي دي فانس في مؤتمر ميونخ للأمن، وما تضمنته الوثيقة الجديدة للأمن القومي من إعادة صياغة لموقع الولايات المتحدة في العالم. هذا التحول لا يقتصر على تعديل في الأسلوب، بل يمتد إلى جوهر رؤية واشنطن لعلاقاتها مع أوروبا، والشرق الأوسط، وأميركا الشمالية واللاتينية. لقد أصبح واضحاً أن المقاربة الأميركية تتجه إلى مبدأ أولويات جديدة تتقدمها حماية المصالح الأميركية المباشرة في نصف الكرة الغربي، بينما يتم التعامل مع بقية مناطق العالم بمنطق الحسابات الواقعية بدلاً من التعهدات الطويلة المدى أو المشاريع الأيديولوجية.
فيما يتعلق بأميركا الشمالية واللاتينية، تضع الاستراتيجية الجديدة هذه المنطقة في صلب الاهتمام الجيوسياسي. فالإدارة الحالية تتعامل مع الحدود، مكافحة المخدرات، تنامي الهجرة غير الشرعية، وتثبيت النفوذ في المحيط الجنوبي كمسائل أمن قومي من الدرجة الأولى. يشير ذلك إلى إعادة بناء ما يمكن وصفه بــ “العقد الأمني الغربي”، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تعريف موقعها في العالم من خلال تعزيز قبضتها على مجالها الحيوي الطبيعي قبل الانخراط في صراعات بعيدة أو تحالفات مكلفة.
أما على الساحة الأوروبية، فقد جاء خطاب جي دي فانس في مؤتمر ميونخ ليكرّس صدمة سياسية لدى القادة الأوروبيين. فانس انتقد علناً ما وصفه بضمور القيم الغربية داخل أوروبا نفسها، وهاجم ميل الحكومات الأوروبية إلى تقييد الحريات وتجاهل إرادة الشعوب. في مضمون الخطاب رسالة واضحة: الولايات المتحدة لن تواصل الدفاع عن أوروبا إذا لم تقم الأخيرة بالدفاع عن نفسها أولاً، ولن تبقى التحالفات ثابتة إذا فقدت القيم المشتركة معناها. هذا الموقف يعيد ترتيب العلاقة عبر فرض شرطية جديدة في التعاون مع أوروبا، ما يضع القارة العجوز أمام اختبار سياسي وأمني قد يغيّر شكل الحلف الأطلسي نفسه في السنوات المقبلة وكيف إذا ما اضفنا كلام بوتين عن احتمالات الحرب المفتوحة.
وفي الشرق الأوسط ولبنان جزءٌ منه بحسابات عدم الرغبة في الحرب طالما إمكانية التواصل الذي يفضي الى نتائج تؤتي اُكلها، وعليه تتخذ الاستراتيجية الأميركية منحى مغايراً تماماً لما كان سائداً خلال العقود الماضية مع كل المنطقة، فلم تعد واشنطن ترى أن التدخل المباشر أو فرض الإصلاحات السياسية هو الطريق الأمثل للتعامل مع دول المنطقة. تنظر الإدارة الحالية إلى الشرق الأوسط كسوق مفتوح وفرصة شراكات اقتصادية واستثمارية، بعيداً عن نماذج (الهندسةالسياسية) المنحازة بلا أي تقديمات او مبادرات التي ميّزت الإدارات السابقة. فالمنطقة لا تزال مهمة من زاوية الاستقرار وتدفق الطاقة، لكن الولايات المتحدة تتعامل معها اليوم بمنطق المصالح المتبادلة، أي من دون التزامات أخلاقية أو مشاريع لتغيير الأنظمة، وبشكل يتيح للدول الإقليمية الاستثمار في استقرارها بعيداً عن الوصاية، يأتي هذا التحوّل في إطار أوسع يعكس إعادة تموضع دولي. فالمسافة مع أوروبا تكبر، والتفاهمات مع روسيا تزداد مرونة في بعض الملفات، في حين يتعامل البيت الأبيض مع الصين بالمنطق ذاته: صراع مصالح لا صراع قيم. هذا العالم الجديد يدفع الشركاء التقليديين إلى إعادة حساباتهم، إذ لم تعد واشنطن هي الضامن المطلق، بل أصبحت شريكاً مشروطاً يقدّم الدعم حيث يقتضي الأمر ويتراجع حين تغيب المصلحة المباشرة. إن الدوافع وراء هذا التغيير مرتبطة بالتعب الداخلي من الحروب الطويلة والتدخلات الباهظة، وبالتغيرات الجيوسياسية التي تفرض على الولايات المتحدة استهلاك مواردها بعناية في بلاد دينها يتراكم لما يفوق 37 تريليون دولار، كما أن المزاج السياسي الأميركي بات ميّالاً إلى الانكماش الخارجي والتركيز على المشكلات الداخلية من السياسات المالية الى سياسات الهجرة والامن … الخ، ما أدى إلى تحوّل استراتيجي في هوية ودور الولايات المتحدة القادم.
بخلاصة أن المشهد الدولي يدخل مرحلة انتقالية تقودها واشنطن نحو نموذج جديد يقوم على تقليص الالتزامات وتوسيع منطق الشراكات المحدودة. أوروبا تُدفع إلى موقع الدفاع عن ذاتها، والشرق الأوسط يُعاد إدخاله في منظومة مصالح اقتصادية، وأميركا اللاتينية والشمالية تتحول إلى ساحة الأولوية الأولى. نحن أمام مرحلة تفضي إلى نتيجة واحدة: الولايات المتحدة في زمن ترامب تعيد تعريف مكانتها في النظام الدولي من خلال إعادة هندسة استراتيجية الأمن القومي بما يضع المصلحة الأميركية في المركز ويعيد صياغة العلاقات مع العالم على أسس جديدة أكثر براغماتية ووضوحاً علما” ان لا شيء مضمون فكم من مرة حسابات الحقل الأميركي لم تلاقي البيدر الدولي؟
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها