المصدر: المدن
الاتفاق والعدالة المؤجلة: هل تحصنت إسرائيل تجاه دعاوى لبنان؟
لم يعد سؤال مقاضاة إسرائيل بعد الحرب سؤالاً قانونياً. فبعد اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل، صار السؤال أكثر حساسية، هل يستطيع مواطن لبناني تضرر من القصف أو التدمير أو خسارة أحد أفراد عائلته أن يقاضي إسرائيل؟ وهل أغلق الاتفاق الجديد هذا الباب؟ وهل يمكن اللجوء إلى محاكم خارجية؟
الجواب المختصر أن اتفاق واشنطن لا يبدو أنه يمنع المواطن اللبناني، بصفته الفردية، من رفع دعوى ضد إسرائيل. لكنه قد يقيد قدرة الدولة اللبنانية على ملاحقة إسرائيل أو دعم مسارات قانونية دولية ضدها. وهذا الفارق أساسي، فالنص لا يقول صراحة إن الضحية اللبنانية فقدت حقها في التقاضي، لكنه قد يحول الدولة اللبنانية من طرف يفترض أن يدعم الضحايا إلى طرف مقيد باتفاق سياسي وأمني.
أولاً، ماذا يعني بند المنتديات القانونية؟
البند الأكثر حساسية هو ذلك الذي يتحدث عن وقف الأعمال العدائية أو السلبية في المنتديات السياسية أو القانونية الدولية. هذه عبارة فضفاضة، لأنها لا تحدد بدقة ما إذا كانت تشمل الشكاوى أمام الأمم المتحدة، أو المحكمة الجنائية الدولية، أو لجان التحقيق، أو المحاكم الأجنبية. لذلك قد تستخدم إسرائيل هذا البند للقول إن أي تحرك لبناني رسمي ضدها يشكل خرقاً للاتفاق.
لكن هذا لا يعني أن الاتفاق أسقط تلقائياً حقوق الأفراد. فهناك فرق بين دعوى يرفعها مواطن متضرر طلباً للتعويض، وبين تحرك رسمي تقوم به الدولة اللبنانية ضد إسرائيل في محفل دولي. الأول يبقى حقاً فردياً من حيث المبدأ، أما الثاني فقد يصبح أكثر تعقيداً إذا فسر الاتفاق على أنه يمنع لبنان من التصعيد القانوني أو السياسي ضد إسرائيل.
هنا تكمن خطورة النص، ليس في أنه يقول للضحية لا يحق لك أن تقاضي، بل في أنه قد يتركها وحدها. فالمتضرر يحتاج غالباً إلى دولة توثق، وتدعم، وتفتح ملفات، وتتعاون مع آليات التحقيق الدولية. فإذا قيدت الدولة، ضعفت عملياً قدرة الأفراد على تحويل الضرر إلى ملف محاسبة.
ثانياً، هل يستطيع اللبناني مقاضاة إسرائيل خارج لبنان؟
من حيث المبدأ، يستطيع المواطن اللبناني أن يحاول مقاضاة إسرائيل خارج لبنان، لكن المحاولة لا تعني ضمان النجاح. فالمحاكم الأجنبية لا تنظر تلقائياً في كل ضرر وقع في الخارج. لكي تقبل محكمة أجنبية دعوى من هذا النوع، يجب أن يتوافر أساس للاختصاص، مثل جنسية المدعي، أو إقامته، أو وجود أثر للضرر داخل تلك الدولة، أو وجود أموال إسرائيلية قابلة للحجز، أو نص قانوني خاص يسمح بمقاضاة دولة أجنبية.
العقبة الأكبر هنا هي حصانة الدولة. فإسرائيل، مثل غيرها من الدول، ستدفع بأن العمليات العسكرية أعمال سيادية مرتبطة بالأمن القومي، وليست تصرفات مدنية أو تجارية عادية. لذلك، حتى إذا كان الضرر واضحاً، كمنزل دمر بغارة محددة، فإن المحكمة قد لا تصل أصلاً إلى بحث قيمة الضرر، لأنها ستبدأ بالسؤال، هل يجوز لها محاكمة دولة أجنبية عن عمل عسكري وقع خارج أراضيها؟
في الولايات المتحدة مثلاً، توجد استثناءات تسمح بمقاضاة دول مصنفة كراعية للإرهاب، لكنها لا تنطبق على إسرائيل. وفي أوروبا وبريطانيا، تبقى حصانة الدولة قوية في القضايا المرتبطة بالأعمال العسكرية. لذلك، فإن دعوى تعويض مدنية ضد دولة إسرائيل ستكون صعبة جداً، إلا إذا وجد رابط قانوني قوي واستثناء واضح من الحصانة.
ثالثاً، ما البدائل القانونية المتاحة؟
هناك مسار آخر غير مقاضاة إسرائيل كدولة، وهو ملاحقة أفراد. فقد يلجأ الضحايا أو المنظمات الحقوقية إلى دول تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية، أي محاكمة جرائم خطيرة مثل جرائم الحرب حتى لو ارتكبت خارج أراضيها. في هذه الحالة لا تكون الدعوى ضد الدولة، بل ضد مسؤولين أو ضباط أو قادة يشتبه في تورطهم في قرارات أو أوامر أو عمليات مخالفة للقانون الدولي. هذا الطريق قد يكون أكثر قابلية للبحث، لكنه يحتاج إلى أدلة قوية، وأسماء محددة، وربط واضح بين القرار والنتيجة.
أما المحكمة الجنائية الدولية، فهي مسار مختلف. المواطن اللبناني يستطيع تقديم معلومات أو ملفات، لكنه لا يستطيع وحده فتح اختصاص المحكمة على لبنان. المطلوب أن يكون لبنان طرفاً في نظام روما، أو أن يقدم إعلاناً خاصاً يقبل اختصاص المحكمة، أو أن يحيل مجلس الأمن الملف. وهنا تظهر خطورة اتفاق واشنطن، فإذا فسر بند المنتديات القانونية على أنه يمنع لبنان من التحرك ضد إسرائيل دولياً، فقد يعرقل أي مسار رسمي نحو المحكمة.
إن اتفاق واشنطن لا يمنع صراحة المواطن اللبناني من مقاضاة إسرائيل، لكنه قد يقيد الدولة التي يحتاج إليها هذا المواطن كي تتحول قضيته من صرخة فردية إلى مسار قانوني فعلي. الدعوى المدنية ضد إسرائيل كدولة خارج لبنان هي الأصعب بسبب الحصانة. أما الشكاوى ضد أفراد، أو المسارات الدولية، فقد تكون أكثر قابلية للطرح، لكنها تحتاج إلى ملف دقيق وإرادة رسمية لا يقيدها الاتفاق أو يفرغها من مضمونها.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها