المصدر: صوت لبنان
الدولار “ليس فوق الشبهات” بعد المخاطر الجيوسياسية: الذهب يتصدر
للمرة الأولى منذ عقود طويلة، لا يتقدّم الذهب كأصل استثماري فحسب، بل كإشارة سيادية صامتة تصدرها البنوك المركزية إلى العالم. أن تتفوق قيمة احتياطيات الذهب على الدولار ليس تفصيلاً رقمياً عابراً، بل دلالة عميقة على تحوّل في فلسفة إدارة المخاطر نفسها: من الثقة المطلقة بالنظام المالي القائم، إلى البحث عن أصول لا يمكن تسييسها أو التحكم بها من خارج الحدود. في عالم تُقاس فيه القوة بالسيطرة على التدفقات المالية، يبدو أن البنوك المركزية تعيد اكتشاف حقيقة قديمة — أن الأصل الذي لا يُجمَّد، ولا يُطبع، ولا يُخضع لقرار سياسي، قد يصبح في لحظة ما أكثر أماناً من أقوى عملة في العالم. فالحثيثة تقول ان النظام المالي العالمي لم يعد كما كان قبل عام 2022. إن لحظة تجميد الأصول الروسية عقب الغزو الروسي لأوكرانيا 2022 لم تكن مجرد إجراء عقابي عابر، بل نقطة تحوّل عميقة في وعي البنوك المركزية. فجأة، لم يعد الدولار يُنظر إليه كأصل محايد بالكامل، بل كأداة يمكن أن تخضع للاعتبارات السياسية، وأن تُستخدم في لحظة صراع كوسيلة ضغط تتجاوز الاقتصاد إلى السيادة. فمنذ ذلك الحين، بدأت التحولات تظهر بهدوء ولكن بثبات. ارتفعت حصة الذهب في الاحتياطيات العالمية، ليس بدافع الحنين إلى نظام نقدي قديم، بل كردّ عقلاني على مخاطر جديدة. الذهب، بخلاف الأصول المقوّمة بالدولار، لا يمكن تجميده بقرار سياسي، ولا يعتمد على نظام مدفوعات خاضع لسلطة دولة بعينها مثل نظام سويفت. هو أصل صامت، لكنه في زمن الاضطراب يصبح صريح الدلالة: الثقة لم تعد مطلقة.
في المقابل، لا يعني هذا التحول أن الدولار فقد مكانته المحورية. لا تزال الولايات المتحدة تملك أعمق الأسواق المالية وأكثرها سيولة، ولا يزال الدولار العملة الأساسية في التجارة العالمية وتسعير الطاقة. كما أن البدائل المطروحة لا تزال تعاني من قيود بنيوية، سواء فيما يتعلق بحرية حركة رؤوس الأموال أو التماسك السياسي، كما هو الحال داخل الاتحاد الأوروبي، أو في القيود المفروضة على العملة الصينية.
لكن ما تغيّر فعلاً هو “طبيعة الثقة”. لم تعد الثقة بالدولار مطلقة وغير مشروطة، بل أصبحت ثقة مشروطة بسلوك النظام السياسي الذي يقف خلفه. وهذا التحول بحد ذاته كافٍ لإعادة تشكيل قرارات الاحتياط لدى البنوك المركزية، التي لم تعد تسعى فقط إلى العائد والسيولة، بل أيضاً إلى الحماية من المخاطر الجيوسياسية. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة صعود الذهب إلا كجزء من إعادة توازن أوسع في النظام النقدي العالمي. نحن لا نشهد انهياراً مفاجئاً لهيمنة الدولار، بل انتقالاً تدريجياً نحو نظام أكثر تعددية، تتوزع فيه الاحتياطيات بين أدوات مختلفة وفقاً لمعادلة جديدة: مزيج من السيولة والأمان السياسي.
الخلاصة أن الدولار لم يفقد دوره، لكنه فقد “حصانته”. لم يعد الأصل الذي لا يُمس، ولا الأداة التي تقف فوق الصراعات. ومع استمرار تسييس النظام المالي العالمي، وتزايد استخدام العقوبات كأداة جيوسياسية، فإن هذا التآكل في الثقة مرشح للتعمق. ففي عالم ما بعد 2022، لم تعد القوة النقدية تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عمق الأسواق، بل أيضاً بمدى حيادها في زمن الأزمات. وهنا تحديداً، يبدأ السؤال الأكبر: ليس متى يسقط الدولار، بل إلى أي حد يمكن أن يبقى النظام الذي يحمله مستقراً في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
الدولار لا يزال مهيمناً… لكنه لم يعد فوق الشبهات في زمن الذهب اقوى الاحتياطات.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها