فرانسوا ضاهر

الخميس ٢٥ حزيران ٢٠٢٦ - 10:26

المصدر: صوت لبنان

المسيحيون ونظام الحكم المركزي في لبنان 

لقد أعطى الانتداب الفرنسي المسيحيين “ضمانات دستورية” عند نشأة لبنان الكبير في الأول من ايلول 1920 ضماناً لوجودهم وكيانهم السياسي، وذلك بموجب أحكام دستور 1926 الذي إتّخذ طابعَ نظام الحكم المركزي الديمقراطي البرلماني الرئاسي.

على أساس أن السلطة الإجرائية قد وضعت بيد رئيس الجمهورية المسيحي الذي يتولاها بمعاونة وزراء يعينهم ويقيلهم (17 و 53 دستور 1926)، وأن السلطة المشترعة قد وزّعت مقاعدها على نحو تكون فيها الأكثرية المطلقة للمسيحيين وفق معادلة 7/9 مكرّر (95 دستور 1926) أي تسعة مقاعد نيابية للمسيحيين مقابل سبعة مقاعد للمسلمين.

غير أن هذه المعادلة في نظام الحكم المركزي التي إرتضاها المسلمون في ظلّ الإنتداب لم تكن لتدوم حتى توافق المسيحيون والمسلمون على الميثاق الوطني في سنة 1943، الذي كرّس وثبّت توزّع الرئاسات الثلاث على الطوائف الرئيسية الكبرى، كما عزّز مشاركة رئيس الحكومة السنّي في تكوين السلطة الإجرائية، وإلتزم تحييد لبنان عن الخارج شرقاً وغرباً.

اما ما إن عمّت البلاد العربية موجة الناصرية والوحدة العربية بين أبناء الأمة الإسلامية، حتى سار بها غالبية السنّة في لبنان وقد تسبّب سيرهم هذا، في أحداث 1958 التي إنتهت بتدخّل الولايات المتحدة الأميركية وترسيخ التهدئة بإنتخاب الأمير فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية اللبنانية، نتيجة تسوية دولية تمّت بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية مصر العربية.

فما كان من العهد الشهابي إلاّ أن أرسى مزيداً من المشاركة المسلمة في تكوين السلطة الإجرائية وفي طريقة عملها. كما أقرّ قانوناً إنتخابياً وسّع فيه الدوائر الإنتخابية لتعزيز أواصر العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين ضمن قاعدة 5/6 مكرّر، أي 6 مقاعد نيابية للمسيحيين مقابل 5 مقاعد نيابية للمسلمين. فضلاً عن أنه أنشأ العديد من المؤسسات الناظمة لعمل الإدارة والمرافق العامة في لبنان وعزّز الأجهزة الرقابية عليها، بهدف إخراج البلاد من الإحتقان الطائفي ومأسسة تكوين المؤسسات العامة على قاعدة الكفاءة والإستحقاق ضمن التوازن الطائفي الذي كان معتمداً في حينه.

غير أن النهج الشهابي لم يحل دون محاولة الحزب السوري القومي الإجتماعي إتمام إنقلاب عسكري في 31 كانون الأول من العام 1961. الأمر الذي يفسّر بأن إدارة حكم البلاد، على ما أصابها من تطوير، كانت لا تزال تحمل في طيّاتها بذور الرغبة بالإنقلاب الكلّي على نظام الحكم السياسي القائم عليها.

حتى ما لبثت أن جاءت تطورات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لتلقي بثقلها على الداخل اللبناني، بدءاً من الحرب العربية “حرب النكسة” التي وقعت في 5 حزيران 1967 وصولاً الى اتفاق القاهرة الذي أُبرم في 3 تشرين الثاني من العام 1969، نتيجة إصرار الطائفة السنية عليه ودعمها له. والذي رخّص للفلسطينيين مقاومة الإحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان. ما تسبّب في إحتلاله في 14 آذار من العام 1978 من قبل إسرائيل وإقامة شريط حدودي بداخله، الذي بقي قائما حتى تحرير الجنوب إياه في 25 أيار 2000.

غير أنه بفعل الإتفاق المذكور، شعر المسلمون السنّة في لبنان أنهم باتوا في موقع يمكّنهم من إجراء تعديل في موازين إدارة نظام الحكم المركزي في لبنان. من خلال تحالفهم السياسي والعسكري مع القوى الفلسطينية بشكلٍ رئيسي، كما مع القوى المعارضة لنظام الحكم في لبنان والتي تمثّلت بالأحزاب والقوى والتيارات المتحالفة تحت مسمّى الحركة الوطنية.

فكان من نتيجة هذا التحالف أن إندلعت الحرب الأهلية في لبنان في 13/4/1975، التي رمت الى قلب نظام الحكم فيه وتهجير المسيحيين منه وتوطين الفلسطينيين فيه كوطن بديل لهم عن فلسطين.

غير أن المقاومة اللبنانية المسيحية قلبت المعادلة وتصدّت لما حيك ضدها، رغم التصدّعات والإنقسامات التي فتكت بداخلها ورمت الى شرذمتها وتقسيمها وإضعافها، بفعل التدخلات الخارجية التي هدفت الى تحقيق هذه الوضعية. كما وإن هذه الحرب لم تحط أوزارها، إلاّ حينما وقّع نواب الامة في الطائف إتفاقاً في 5/11/1989 قضى بإجراء تعديل جوهري في نظام الحكم المركزي في لبنان، وذلك لجهة تحويله من نظام رئاسي (régime présidentiel) الى نظام جماعي (régime collégial). بحيث إنتقلت السلطة الإجرائية من يد رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعاً، كما تمّ إقرار المناصفة في السلطة المشترعة بين المسلمين والمسيحيين.

وإن الوصاية السورية التي أُطلقت يدها في لبنان بغطاء دولي منذ إجتياحها للمنطقة الشرقية المحرّرة في 13/10/1990 قد تمّكنت هي بدورها من إجراء تعديل إضافي في نظام الحكم الجديد في لبنان، رمى الى تعزيز نفوذها فيه. وذلك عبر إبتداع “نظام الترويكا” الحاكمة المتمثّلة بإدارة البلاد عبر توافق الرؤساء الثلاثة المسبق على مقررات السلطة الإجرائية، كما وعلى سير عمل السلطة الاشتراعية. فضلاً عن تخصيص “حصة وزارية لرئيس الجمهورية” في تشكيل الحكومة تكون على تنسيق وتفاهم مسبق مع سلطة الوصاية، ما يعطي هذه الأخيرة قدرةً على التحكّم بالمقرارات الحكومية.

كما وإن تلك الوصاية قد تمكّنت كذلك من التدخّل في التوازنات الطائفية في البلد، التي كانت تدعم وتحجّم في آن حقبة السنّية السياسية التي مثّلها الرئيس الشهيد رفيق الحريري ما بين 1992 و 2005 من خلال سياساته المالية الاقتراضية والاقتصادية الريعية والديمغرافية المشبوهة والتملكية الفضفاضة للاجانب وإدارته المتحيّزة للمؤسسات التابعة لرئاسته لمجلس الوزراء ومصادرته غير العادلة للأملاك الفردية والأوقاف المسيحية لمصلحة شركة سوليدير الخاصة وتحميل خزينة الدولة كلفة بُناها التحتية. بحيث راعت تلك التوازنات مصلحة الشيعية السياسية وحمت نفوذ حزب الله المتصاعد آنذاك سياسياً وعسكرياً.

غير أن هذه التوازنات إياها التي أدارها النظام السوري في الداخل اللبناني، لمرحلة زمنية، قد أمكنه التفلّت منها، حينما أُتخذ قرار إقليمي، من الجناح الممانع في المنطقة بتوجيه من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بإغتيال زعيم الطائفة السنية في لبنان الرئيس رفيق الحريري في 14/2/2005، صاحب المشروع الأوسع الذي تجاوز نطاق الداخل ليمتدّ الى دعم ومؤازرة القوى المعارضة لهذا الجناح في الداخل السوري. الأمر الذي مكّن المشروع الشيعي ممثّلاً بحزب الله وحركة أمل، من التوسّع وبسط نفوذه في الداخل اللبناني، بعدما تمّ إخراج النظام السوري من لبنان بقرار دولي في 26/4/2005.

فما كان من الحزب الذي أضحى متحالفاً، بشكلٍ وطيد، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مشروعها السلطوي الإقليمي والمناهض للكيان الإسرائيلي حتى بعد تحرير الجنوب في 25/5/2000، إلاّ أن بادر الى إستدراج دولة إسرائيل الى الحرب في 12 تموز 2006 لغرض تعزيز سطوته ونفوذه على لبنان بكل مفاصل الحكم فيه.

فتمّ له ذلك على وقع الإغتيالات السياسية المنسوبة إليه التي انطلقت في أواخر العام 2004 ولم تتباطأ الاّ مؤخرًا، وتعطيله لعمل المؤسسات الدستورية وحرف رجالات السلطة الحاكمة بإتجاه تغطية أفعاله وموبقاته وجرائمه ومشروعه السياسي. حتى ذهب به الأمر الى إجتياح مدينة بيروت في 7 أيار 2008 وحمل الطبقة الحاكمة في لبنان على تكريس وتثبيت نفوذه في السلطات الدستورية في البلاد من خلال ما تمّ الإتفاق عليه من ممارسات سياسية، غير دستورية، في مؤتمر الدوحة في 21/5/2008.

ولا سيما، إعطاء المعارضة الممانعة الثلث المعطل في حكومات الوحدة الوطنية، ووجوب توافر الميثاقية في مقررات مجلس الوزراء وفي جلسات إنعقاد المجلس النيابي، كما في الأكثرية المقرّرة فيها. وقد ترافق ذلك مع توسعة لصلاحيات رئيس مجلس النواب من خلال سوء تطبيقه وتفسيره لأحكام النظام الداخلي للمجلس النيابي. فضلاً عن الصلاحية التي إنتزعها لنفسه بتفسير أحكام الدستور والإمساك بمفاصل عمل المجلس النيابي، لجهة تحديد تاريخ إنعقاده من عدمه وتحديد جدول أعماله والإستئثار بقرار إغلاق أبوابه وفتحها.

وذلك حتى أضحى رئيس المجلس متحكّماً بآلية إنتخاب رئيس الجمهورية وبتفسير المواد الدستورية التي تختص بإنتخابه. كما بتفسير المواد الدستورية التي تختص بصلاحيات المجلس النيابي خلال فترة الفراغ الرئاسي.

فكان من نتيجة هذه الممارسات، غير الدستورية، أن توسّعت رقعة نفوذ الثنائي الشيعي بمعرض ممارسة الحكم، وأولته تغطيةً لمشروعه السياسي. كما مكّنت حزب الله تحديداً من تعزيز تحالفه الإستراتيجي مع إيران وبسط نفوذه على الأراضي اللبنانية وتدعيم ترسانته العسكرية الهائلة عليها وفي باطنها الى حدّ تحدّيه للكيان الصهيوني في إستقراره بل في وجوده.

وإنه لغرض تثبيت هذا النفوذ ضمن حرم مؤسسات السلطات الدستورية في البلاد كان لا بدّ من أن تكون له اليد الطولى في إنتخابات رئاسة الجمهورية حتى لا يأتيَ رئيسٌ إلاّ موالياً له ومنسقاً معه وقابلاً بدفتر شروطه. وحتى لا تتألفَ حكومةٌ إلاّ ويكون راضياً عن تكوينها وقادراً على التحكّم بعملها وبمقرراتها وممسكاً بأداة تعطيل تلك المقررات، عند الإقتضاء.

الأمر الذي إستلزم إستئثار الثنائي الشيعي بتولي حقيبة وزارة المالية منذ تأليف حكومة الرئيس تمام سلام في شهر شباط من العام 2014 وحتى يومنا هذا، على التوالي. كما ومنح وزير المالية صلاحية الإمتناع عن توقيع المراسيم والمقررات التي تصدر عن مجلس الوزراء، في حال معارضة الثنائي الشيعي المذكور لها، وعدم تمكّنه من الحؤول دون إقرارها.

مما جعل عمل السلطة الإجرائية مكبّلاً بالثلث المعطّل في تكوين الحكومة، وبوجوب توافر الميثاقية في مقرراتها، وبسبق توافق الترويكا الحاكمة على تلك المقررات، وبتعطيل نفاذها عند الإقتضاء بفعل تمنّع وزير المالية الشيعي عن التوقيع عليها رغم صدورها أصولاً بالأكثرية الدستورية الواجبة في مجلس الوزراء.

هذا ولا يجب أن نُغفِلَ أن نظام الترويكا – حكم الرؤساء الثلاثة – بمعرض آلية عمل السطلة الإجرائية، قد توسّع الى حدّ شموله الصلاحيات الدستورية المحفوظة لرئيس الجمهورية، كالحق المعطى له بالتفاوض على عقد المعاهدات الدولية. ما جعل تلك السلطة مكبّلة أكثر فأكثر. سيما وأن نظام الترويكا المذكور بحدّ ذاته الذي يعمل بشكلٍ إتحادي إنما يعطي كلّ فريق فيه حق النقض او الفيتو أي القدرة على تعطيل أي مقترح لا يكون قد تمّ التوافق عليه بإجماع أعضائه. مما يعطي الطائفة الشيعية قدرة على الإعتراض وعدم إقرار أي مقترح لا تكون توافق عليه، حتى ولو إقترن بموافقة بقية أعضاء الترويكا، الذين يمثّلون دستورياً كامل السلطة الإجرائية (وهما رئيسا الجمهورية ورئيس الحكومة).

فضلاً عن أن الثنائي الشيعي قد إستأثر بقرار الحرب في البلاد تبعاً لإرتباطاته الخارجية، وتبعية حزب الله للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فجعل تلك البلاد ساحة لصراع إقليمي منذ ما بعد تحرير الجنوب في 25 أيار 2000 وحتى يومنا هذا. مروراً بحرب تموز 2006 وصولاً الى إعلانه مساندة غزة في 8 تشرين الأول 2023 ومساندة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد ذلك منذ 28 شباط 2026 وحتى تاريخه. مما أوصل البلاد إياها الى أوضاعها المأساوية التي لا يبدو أن الخروج منها أمراً سهلاً أو حتى ممكناً في المدى المنظور نظراً للتعقيدات الإقليمية بل الدولية المحيطة بهاتين الحربين الأخيرتين.

وضمن هذا الإطار، يبدو أن تسوية يتمّ تداولها بين الدول المتصارعة في المنطقة، وبخاصة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية، تقضي بأن يتمّ تنفيذ ما تبقى من بنود غير منفذة في إتفاق الطائف. ولا سيما، إلغاء الطائفية السياسية وإقرار قانون إنتخابي جديد خارج القيد الطائفي بلبنان دائرة إنتخابية واحدة وفق النظام النسبي وإنشاء مجلس للشيوخ وإنتخاب أعضاء المجلس النيابي خارج القيد الطائفي وإقرار اللامركزية الإدارية الموسعة لذر الرماد في العيون. وذلك بهدف تعزيز المواطنة في الظاهر وتثبيت حكم العددية الطائفية في الباطن. فضلاً عن السعي الى منح الطائفة الشيعية مواقع إضافية في المؤسسات الدستورية المركزية وفي بعض المناصب العليا في الدولة. الأمر الذي سيكون حتماً على حساب الطائفة المارونية حصراً دون سواها.

من هنا، بات السؤال الأكثر إلحاحاً، في ضوء كلّ ما تقدّم، على مدى قرن ونيّف من الزمن، هل ما زال يشكّل نظام الحكم المركزي ضماناً للمسيحيين في لبنان، أي ضماناً لوجودهم وكيانهم السياسي وفرادتهم الثقافية وخصوصيتهم المجتمعية؟

أم أنه مطلوب منهم في ظلّ ما آل اليه هذا النظام، التموضع في الوضعية الذميّة والقبول بها وإرتضاء مفاعيلها وذيولها عليهم؟

فمن هذه الزاوية، تفهم وتفسّر التيارات التي تسود حالياً في المجتمع المسيحي والتي تطالب بتعديل جذري في النظام السياسي في لبنان. بدءاً من اللامركزية السياسية الموسّعة مروراً بالفدرالية وصولاً الى الدولة الإتحادية، التي تقوم على إنشاء كيانات او مقاطعات او حتى دويلات مستقلة تمام الاستقلال عن بعضها البعض، ضمن أراضي الجمهورية اللبنانية المعترف بها رسمياً، وإن بقيت متكاملة في ما بينها مجتمعياً وإقتصادياً.

بل أكثر من ذلك، بات محتماً على المسيحيين فضّ الشراكة الوطنية وميثاق العيش المشترك في ظل الحكم المركزي القائم، لأنهم باتوا أسرى جدران مؤسساته الدستورية والعامة حيث فقدوا مكانتهم وتأثيرهم وفعاليتهم فيه. كما باتوا مستنزفين في أموالهم ومداخيلهم لمصلحة الخزينة العامة التي لا تُعنى بشؤونهم على ذات قدر مساهمتهم فيها.

كما وإن خروجهم من قفص الحكم المركزي بات واجباً وطنياً صرفاً ملحاً وآنياً، كما وإنّ تلكؤهم في لفظه وتكسير القيود التي تكبلهم وراء قضبانه، يشكل خيانةً وطنيةً عظمى تجاه كيانهم ووجودهم ومستقبلهم، المترسّخ في هذه الأرض، علّة تولّد وطن الأرز عبر الأزمان.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها