محمد موسى

الأثنين ٢٩ أيلول ٢٠٢٥ - 08:56

المصدر: صوت لبنان

الموازنة2026 بداية الإصلاح المالي ولكن؟!!

تأتي مسودة موازنة ٢٠٢٦ في لبنان في ظرفٍ استثنائي يتداخل فيه أثر الانهيار المالي الذي بدأ عام ٢٠١٩ مع تبعات الصراع الإقليمي واحتياجات إعادة الإعمار والنفقات الاجتماعية المتزايدة. لذلك لا تقتصر أهمية الموازنة على أرقامها المحاسبية فحسب، بل على الدور السياسي والاقتصادي الذي يمكن أن تلعبه كآلية لبدء مسار استقرار هادف وإعادة بناء الثقة مع المانحين والمؤسسات الدولية. تبلغ الأرقام الرسمية في المسودة إجمالي الإنفاق والإيرادات بما يقارب ٥٠٥.٧٢ تريليون ليرة لبنانية، ما يعادل نحو ٥.٦٥ مليار دولار بالسعر الرسمي المرجعي الذي اعتمدته السلطة النقدية، وهي زيادة ملحوظة مقارنة بأرقام ٢٠٢٥. هذه الزيادة ترافقها نية واضحة لرفع حصة الإيرادات الضريبية في إجمالي الموارد، حيث استحوذت الضرائب على نصيب كبير في توقعات العوائد.
لا شك ان إيجابيات الموازنة المقترحة كثيرة ويمكن ان تلخص:
أولاً، تُظهر المسودة محاولة للانتقال من نموذج الإنفاق غير المستدام إلى موازنة أكثر اتزاناً نسبياً، إذ تُظهر الوثائق النهائية استهداف المسودة لمسار دون عجز صريح عبر مطابقة الإيرادات مع النفقات في التقديرات الأولية، وهو توجه ضروري لإرسال إشارة التزام بالانضباط المالي إلى الدائنين والأسواق والمؤسسات الدولية. تحقيق هذا المسار، حتى إن كان قائمًا على افتراضات طموحة في تحصيل الإيرادات!!!!، مع ذلك يُعد ما يرسم خطوة إيجابية في سياق لبنان الذي احتاج إلى وقف انزلاق الدين العام ونفقات الخدمة والعبرة بالقدرة على التطبيق.
ثانياً، أنجزت الحكومة مكتسبات تشريعية وإجرائية تمس إطار الإصلاح المطلوب للاقتراض الدولي، خصوصاً فيما يتعلق بتشريعات تتعلق بالقطاع المصرفي والشفافية التي بدأت تَلْقى متابعة دولية؛ وهو شرط مسبق للحصول على برامج تمويلية كبيرة. وقد كانت إشارات صندوق النقد الدولي إلى ضرورة تعزيز القوانين المصاحبة لخطة إعادة هيكلة القطاع المصرفي تعطي الموازنة فرصة لأن تكون جزءاً من حزمة إصلاحية متكاملة وهنا لابد من الدعوة الى المكننة في الإدارات المالية وضبط كل المزاريب.
وهنا لابد من الوقوف على سلبيات ونقاط الضعف في الموازنة فثمة عدد من النقاط الجوهرية التي قد تقوّض إمكانات الموازنة كأداة استعادة الهيبة الماليةالمستدامة. والتي تتجلى عبر جملة أمور:
أولا”: اعتماد توقعات إيراديه طموحة جداً ومركزية على رفع تحصيل الضرائب دون إصلاح قاعدة ضريبية عادلة وفعالة، ما يخلق خطرَين متلازمين: فشل التوقعات وتفاقم الضغط على قطاعات قادرة على الانتعاش أو، عند فرض ضرائب تعسفية، ضخّ اختلالات اجتماعية وسياسية. لقد بيّنت التحليلات المبكرة أن الجزء الأكبر من الزيادة في الموارد المتوقعة يستند إلى تحسينات في الامتثال الضريبي وتقديرات مرتفعة للإيرادات، وهو افتراض هش في غياب قدرة إدارية فعالة وإصلاحات هيكلية.
ثانياً، ثَبُت أن الموازنة لا تعمل بمعزل عن وضع القطاع المصرفي وسياسات المصرف المركزي؛ أي أن أي نجاح في ضبط المالية العامة يقابله فشل إن لم تُعالج مسألة توزيع الخسائر المالية والشفافية البنيوية في الجهاز المصرفي، والمقترحات الأخيرة التي تتناول خطة لتقاسم الخسائر واستخدام أصول عامة (بما في ذلك حديث حول احتياطي الذهب المركزي) تحمل مخاطر قانونية واقتصادية وسياسية إن نفذت دون قواعد واضحة وحماية للفئات الأضعف مع كل ما يترافق من انقسامات و شعبوية فاشلة.
ثالثاً، إن استخدام معايير سعر صرف مرجعية لاحتساب الأرقام (مثل سعر مصرف لبنان المرجعي المعتمد في وثائق المسودة) قد يخفي هشاشة التمويل الحقيقي للموازنة عند اختلاف الأسعار الفعلية في السوق والقيّم الحقيقية للموارد والدين الخارجي، مما يجعل قراءة الأرقام النقدية بوحدات ليرة فقط مضللة إذا لم تُرفق بتحليل سيناريوهات سعر الصرف في ظل ثبات هش للعوامل المؤثرة.
المقاربة السليمة لاستغلال الموازنة كرافعة للتعافي الاقتصادي هي حاجة، لقد آن الأوان لكي تتحول الموازنة إلى أداة تحفيز واستقرار فعلية، وعليه لا بد من مقاربة متكاملة تجمع بين الانضباط المالي وإعادة التركيب الهيكلي للنفقات والإيرادات، مع حماية اجتماعية واضحة عبر ما يلي:
أولًا، يجب اعتماد مبدأ الشفافية والواقعية في الافتراضات: نشر سيناريوهات بديلة ثلاثية (سوقية، معتدلة، حذرة) لسعر الصرف والإيرادات الضريبية ونفقات خدمة الدين حتى يتمكن المراقب الداخلي والخارجي من تقييم المخاطر.
ثانياً، إعادة توجيه هيكلية الإنفاق نحو بنود ذات عائد فوري ومتوسط الأمد: استثمار في البنى التحتية الحيوية (الطاقة والمياه والنقل) يُعد ضروريًا ولكن مع عقود واضحة ومتطلبات أداء وإشراف مستقلة لخفض الفساد.
ثالثًا، فرضية زيادة الإيرادات لا ينبغي أن تعتمد فقط على رفع حصيلة الضرائب بل على توسيع القاعدة الضريبية وإصلاح آليات الجباية ومكافحة التهرب وتطبيق ضريبة تقدمية وفعّالة تُحمّل قدرتها الحقيقية ولا تكسر التعافي الاستثماري أو الاستهلاكي.
رابعًا، ينبغي ربط أي التزام بالإنفاق الاجتماعي بسياسات استهدافية لدعم الفقراء والطبقة الوسطى المنهكة عبر برامج انتقالية مؤقتة لحماية الاستهلاك الأساسي دون خلق اعتماد دائم على الإعانات.
خامسًا، ينبغي أن تُدرج الموازنة آلية واضحة للتعامل مع تبعات هيكلة القطاع المصرفي: أي توزيع للخسائر أو استخدام أصول عامة يجب أن يحتاج إلى موافقة تشريعية وخطة زمنية شفافة، وحماية قانونية للمودعين الصغار، وتوافقاً مع شروط صندوق النقد الدولي إذا وُجد برنامج تمويل خارجي ووقف اقتصاد الكاش النقدي للخروج من القائمة الرمادية وعدم الانزلاق اكثر.
لا يكفي أن تكون الموازنة وثيقة أرقام؛ بل عليها أن تكون خريطة طريق قابلة للقياس والرقابة زمنياً. إن الأولوية القصوى هي استعادة الثقة: في السياسات العامة، وفي مؤسسات السوق، وفي قدرة الدولة على حماية مواطنيها. ولتحقيق ذلك لا بدّ من تجمع ثلاثي العناصر: شفافية ملزمة في الأرقام والافتراضات، إصلاح هيكلي للقطاع المالي يحمى الصغار ويشارك الكبار في الخسائر وفق قواعد عادلة، وسياسة إنفاقٍ استثماريٍ ذو جدوى اقتصادية واجتماعية مع شبكات حماية مستهدفة. والخلاصة تقول إن نجح لبنان في هذا التسلسل ورفعه إلى مستوى تنفيذ فعّال ومراقب دولياً، فالموازنة ٢٠٢٦ لن تكون مجرد حساب إنفاق؛ بل بداية لمرحلة إعادة بناء تُعيد للاقتصاد اللبناني مناعته ومقومات النمو فيه وبذلك تكون بداية على مسار الإصلاح.
الأيام القادمة ستشف مدى وجود رؤية مالية للإنقاذ علما” ان التجارب السابقة لا تبشر بالخير لما للمماطلة من حضور و الأمثلة كثيرة.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها