طوني بولس

السبت ١٤ آذار ٢٠٢٦ - 16:00

المصدر: independent عربية

“الوحدة 910″… هل ينقل “ح*ب الله” حربه إلى الساحات الدولية؟

في وقت يتعرض فيه “حزب الله” لحرب إسرائيلية عنيفة تهدد وجوده العسكري وتضرب بنيته التنظيمية في أكثر من مستوى، تتصاعد داخل الأوساط السياسية والأمنية مخاوف من احتمال أن يلجأ الحزب، أو أطراف مرتبطة بالمحور الإيراني، إلى نقل جزء من المواجهة إلى خارج لبنان.

فالتجربة السابقة تشير إلى أن التنظيمات المتطرفة عندما تتعرض لضغط عسكري كبير داخل ساحاتها الأساسية، قد تسعى إلى تعويض ذلك عبر عمليات خارج الحدود، تستهدف مصالح مرتبطة بخصومها في ساحات بعيدة من ميدان المعركة المباشر. وفي كثير من الأحيان، تتحول هذه العمليات إلى وسيلة للرد غير المباشر، أو لإرسال رسائل سياسية وأمنية في لحظات التصعيد الإقليمي.

وانعكست هذه المخاوف في إجراءات أمنية مشددة اتخذتها جهات دبلوماسية وأمنية في لبنان والمنطقة، من بينها تعزيز الحماية حول السفارة الأميركية لدى بيروت وتشديد الإجراءات الأمنية المرتبطة ببعض المصالح الغربية. وتأتي هذه الإجراءات في ظل تقديرات أمنية تشير إلى أن أي تصعيد إضافي في المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله” قد يدفع الحزب أو جهات قريبة منه إلى البحث عن ساحات أخرى للرد.

في الوقت نفسه، أعادت هذه المخاوف تسليط الضوء على الوحدات الخارجية التابعة للحزب، والتي كثيراً ما تحدثت عنها التقارير الاستخباراتية الغربية بوصفها جزءاً من منظومة عمله خارج لبنان. فهذه الوحدات، بحسب تلك التقارير، لم تكن مجرد أداة عملياتية، بل شكلت عبر السنوات شبكة استخباراتية ولوجيستية تمتد عبر دول عدة، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول احتمال تحرك هذه الشبكات في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.

 

هجوم ميشيغان
في هذا المناخ تحديداً، جاء هجوم كنيس “هيكل إسرائيل” في ولاية ميشيغان الأميركية في الـ12 من مارس (آذار) 2026 ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد. فالهجوم الذي نفذه رجل مسلح اقتحم بسيارته مدخل الكنيس في بلدة “وست بلومفيلد” قرب مدينة ديترويت أعاد طرح تساؤلات قديمة داخل الأوساط الأمنية الغربية حول قدرة التنظيمات المرتبطة بإيران على تحريك شبكاتها الخارجية عندما تتعرض لضغوط عسكرية في الشرق الأوسط.

وتشير المعطيات الأولية التي أعلنتها السلطات الأميركية إلى أن منفذ الهجوم هو أيمن محمد غزالي، وهو مواطن أميركي مجنس مولود في لبنان، دخل الولايات المتحدة عام 2011 قبل أن يحصل على الجنسية بعد سنوات. وقد اقتحم المهاجم المبنى بسيارته بينما كان مسلحاً، مما أدى إلى اندلاع حريق داخل الكنيس قبل أن يقتل خلال الحادثة.
وكان داخل مركز الطفولة التابع للمعبد نحو 140 طفلاً لحظة وقوع الهجوم، من دون تسجيل إصابات بينهم. وقد أفادت تقارير لبنانية بأن عائلة غزالي قتلت في قصف إسرائيلي استهدف جنوب لبنان قبل أيام.

وقد وصف مكتب التحقيقات الفيدرالي ما جرى بأنه “عمل عنف استهدف المجتمع اليهودي”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الدافع النهائي للهجوم لا يزال قيد التحقيق، مما ترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من تفسير محتمل لما حدث.

لكن توقيت الهجوم لم يمر مروراً عادياً في الأوساط السياسية والأمنية في الولايات المتحدة وأوروبا، خصوصاً أنه جاء في سياق إقليمي متوتر يتسم بتصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران وحلفائها. وفي مثل هذه الظروف، يصبح أي استهداف لمؤسسة يهودية في الغرب موضع تدقيق مضاعف، ليس فقط من زاوية الأمن الداخلي، بل أيضاً من زاوية احتمال ارتباطه بصراع أوسع يمتد من الشرق الأوسط إلى العواصم الغربية.

“إرهاب دولي”
في هذا الإطار، لم يكن مفاجئاً أن تعود إلى الواجهة مجدداً النقاشات داخل الدوائر الأمنية الغربية حول الشبكات الخارجية لـ”حزب الله”، وهي شبكات تحدثت عنها تقارير استخباراتية ومحاكمات قضائية عدة خلال العقود الماضية. فالتنظيم اللبناني الذي نشأ في أوائل الثمانينيات بدعم مباشر من “الحرس الثوري” الإيراني، لم ينظر إليه في الغرب على أنه مجرد قوة عسكرية محلية داخل لبنان، بل كتنظيم احتفظ بقدرات خارجية سمحت له ببناء شبكات دعم وعمليات في مناطق مختلفة من العالم.

وتشير وثائق أميركية عدة إلى أن الحزب يمتلك جهازاً خاصاً بالعمليات الخارجية يعرف باسم “المنظمة الأمنية الخارجية”، أو ما يسمى أيضاً “الوحدة 910″، وهي وحدة يعتقد أنها مسؤولة عن التخطيط للعمليات خارج لبنان وعن إنشاء شبكات لوجيستية واستخباراتية في الخارج.

وبحسب هذه الوثائق، فإن هذه الوحدة لا تعمل دائماً عبر عمليات عسكرية مباشرة، بل تعتمد أيضاً على شبكات دعم واسعة تشمل التمويل واللوجيستيات وجمع المعلومات، وهو ما يمنح الحزب قدرة كامنة على التحرك خارج المنطقة عندما تقتضي الظروف ذلك.

ولفهم خلفية هذا النقاش، غالباً ما تستعيد الدوائر الأمنية الغربية سلسلة عمليات ارتبط اسم “حزب الله” بها خلال العقود الماضية. ومن أبرزها تفجير السفارة الإسرائيلية لدى العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس عام 1992، ثم تفجير مركز “أميا” (AMIA) اليهودي في العاصمة الأرجنتينية عام 1994، وهو الهجوم الذي أودى بحياة 85 شخصاً ولا يزال حتى اليوم أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ الإرهاب الدولي في أميركا اللاتينية.

ويستشهد أيضاً بتفجير حافلة السياح الإسرائيليين في بورغاس البلغارية عام 2012، الذي أدى إلى مقتل خمسة إسرائيليين وسائق بلغاري، وقد خلصت التحقيقات البلغارية حينها إلى تورط عناصر مرتبطة بالحزب في التخطيط للعملية. لكن الصورة لا تقتصر على العمليات الدموية فحسب، إذ كشفت قضايا قضائية في الولايات المتحدة نفسها عن وجود شبكات مرتبطة بالحزب داخل الأراضي الأميركية.

ففي عام 2017 أعلنت وزارة العدل الأميركية اعتقال علي كوراني في نيويورك وسمر الديبك في ديربورن بولاية ميشيغان، متهمة إياهما بالعمل لمصلحة “منظمة الجهاد الإسلامي” التابعة لـ”حزب الله” وبالقيام بعمليات مراقبة وجمع معلومات عن منشآت حيوية ومطارات ومواقع حكومية داخل الولايات المتحدة. وحكم على كوراني لاحقاً بالسجن 40 عاماً بعد إدانته بالتخطيط لعمليات إرهابية محتملة.

ودِينَ عام 2023 أليكسي صعب، وهو مواطن أميركي من أصل لبناني، بتقديم دعم استخباراتي للحزب بعدما قام بمهام استطلاع لمواقع مختلفة داخل الولايات المتحدة. وتشير السلطات الأميركية إلى أن هذه القضايا تكشف عن أن نشاط الحزب في الغرب لا يقتصر على جمع الأموال أو دعم الشبكات المالية، بل يمتد أحياناً إلى عمليات استطلاع تمهيدية يمكن أن تشكل جزءاً من تخطيط أوسع لهجمات محتملة.

سلمان رشدي
في هذا السياق يتكرر في النقاش الأمني مصطلح “الخلايا النائمة”، وهو مصطلح يستخدم غالباً في الخطاب السياسي والإعلامي لوصف شبكات يمكن تفعيلها عند الحاجة. غير أن الخبراء يشيرون إلى أن هذا المفهوم لا يعني بالضرورة وجود مجموعات جاهزة لتنفيذ عمليات فورية، بل قد يشمل أيضاً شبكات دعم أو أفراداً مرتبطين تنظيمياً أو فكرياً بالتنظيمات المسلحة، يمكن أن يتحولوا إلى فاعلين عندما تتصاعد الأزمات الدولية أو تشتد المواجهات الإقليمية.

ومن هنا يطرح محللون احتمالاً آخر في حال ميشيغان، وهو ما يعرف في أدبيات الأمن باسم العمليات الفردية الموجهة أو شبه الموجهة. في هذا النموذج لا يكون المنفذ جزءاً من خلية منظمة تقليدية، بل فرداً يتحرك بدافع أيديولوجي أو سياسي ضمن بيئة تعبئة أوسع.

وغالباً ما يستشهد في هذا السياق بقضية الهجوم على الكاتب سلمان رشدي عام 2022، حين تعرض الكاتب البريطاني من أصل هندي للطعن خلال فعالية ثقافية في ولاية نيويورك، على يد شاب تأثر بخطاب ديني متشدد وبالفتوى التي صدرت ضده في إيران قبل عقود، مما جعل الحادثة مثالاً على ما يسمى “العنف الفردي المرتبط بسياق سياسي أو أيديولوجي أوسع”.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها