شفيق طاهر

الأحد ٢١ حزيران ٢٠٢٦ - 09:01

المصدر: المدن

انتهاء أزمة بنك خلق التركي

لم يكن إسقاط القضية الجنائية الأميركية ضد بنك خلق التركي، مجرد تطور قضائي منفصل، بل جاء في لحظة إقليمية تشهد إعادة ترتيب أميركية لمسار العقوبات والتفاوض مع إيران. فقد أصدر قاضٍ فدرالي في نيويورك قراراً بإنهاء الملاحقة المرفوعة ضد البنك الحكومي التركي، عقب اتفاق بين وزارة العدل الأميركية والبنك، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات التركية-الأميركية.

غير أن القرار لا يمثل تبرئة كاملة للبنك بالمعنى السياسي، كما لا يعني أن واشنطن تخلت عن منطق العقوبات. فالاتفاق أنهى الملاحقة الجنائية من دون اعتراف بالذنب من قبل البنك ومن دون دفع غرامات مالية، لكنه فرض في المقابل مراقبة للامتثال وقيوداً على المعاملات التي قد تكون مرتبطة بإيران أو مفيدة لها. وبذلك خرج الملف من قاعة المحكمة، لكنه بقي داخل دائرة الرقابة الأميركية على النظام المالي والعقوبات.

من الملاحقة إلى التسوية

تعود جذور القضية إلى عام 2019، عندما وجّه الادعاء الأميركي اتهامات إلى بنك خلق بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الأميركية. ووفق الرواية الأميركية، لم تكن القضية مجرد خطأ مصرفي أو تعامل تجاري عابر، بل شبكة مالية وتجارية معقدة سمحت لطهران بالوصول إلى عائدات نفط وغاز كانت خاضعة لقيود صارمة.

وتقول وثائق الادعاء إن البنك شارك، بين عامي 2011 و2016، في تسهيل تحويل أموال إيرانية مقيدة عبر ترتيبات بدت في ظاهرها كمدفوعات مشروعة أو مرتبطة بتجارة ذات طابع إنساني، بينما كانت عملياً تُستخدم لتجاوز العقوبات. وقد عرفت هذه الآلية إعلامياً بملف النفط والغاز مقابل الذهب، في إشارة إلى استخدام الذهب من قبل ايران لتحريك دفعات بعيداً عن الرقابة الأميركية.

مكسب تركي مشروط

على مدى سنوات، حاول البنك الدفاع عن نفسه عبر الدفع بالحصانة السيادية، باعتباره مؤسسة مملوكة للدولة التركية. غير أن المحكمة العليا الأميركية قررت في نيسان/أبريل 2023، أن قانون حصانات السيادة الأجنبية لا يمنع الملاحقات الجنائية، ما أبقى القضية مفتوحة أمام المحاكم الفدرالية. ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت المحاكمة ممكنة قانونياً، بل ما إذا كانت واشنطن وأنقرة قادرتين على الوصول إلى تسوية تقلل الكلفة السياسية والاقتصادية.

من هذه الزاوية، يمثل إسقاط القضية مكسباً مهماً لتركيا وبنك خلق. فهو يزيل خطر الإدانة الجنائية والغرامات الكبيرة التي كانت قد تضغط على البنك وعلى صورة القطاع المصرفي التركي عموماَ. كما يمنح أنقرة فرصة للقول إن الملف، الذي وصفته طويلاً بأنه مسيس أو غير عادل، انتهى من دون اعتراف بالذنب أو عقوبة مالية مباشرة.

لكن هذا المكسب يبقى مشروطاً كما ذكرنا. فالقيود المفروضة على البنك تعني أن واشنطن لم تمنحه شيكاً على بياض، بل أبقت عليه تحت رقابة امتثال واضحة، خصوصاً في كل ما يتعلق بإيران والعقوبات ومكافحة غسل الأموال. وهذا يعني أن أي مخالفة مستقبلية قد تعيد فتح الباب أمام ضغوط جديدة.

تزامن مع التهدئة الأميركية الإيرانية

يأتي هذا التطور في توقيت لافت، بالتزامن مع الحديث عن توقيع مذكرة تفاهم أميركية إيرانية حديثة تهدف إلى خفض التصعيد وفتح مسار تفاوضي أوسع. ولا توجد أدلة معلنة على أن إسقاط قضية بنك خلق يرتبط مباشرة بتلك المذكرة، لكن التزامن يمنح القرار بعداً سياسياً إضافياً.

فواشنطن، وهي تعيد ترتيب أدوات الضغط والتفاوض مع طهران، تبدو أكثر ميلاً إلى إغلاق بعض الملفات القديمة المرتبطة بالعقوبات، شرط الإبقاء على آليات رقابية تمنع تكرار قنوات الالتفاف السابقة. لذلك، لا يمكن القول إن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية أغلقت قضية بنك خلق مباشرة، لكنها ربما وفرت مناخاً سياسياً أكثر ملاءمة لإنهاء ملف قضائي ظل لسنوات أحد مصادر التوتر بين أنقرة وواشنطن.

تنتهي أزمة بنك خلق قضائياً من دون إدانة ومن دون غرامات، لكنها لا تنتهي سياسياً بالكامل. فقد كشفت القضية حجم النفوذ الأميركي في النظام المالي العالمي، وأظهرت كيف يمكن للقانون والعقوبات أن يتحولا إلى أدوات ضغط وتفاوض في آن واحد. أما تركيا، فقد حققت مكسباً واضحاً بإغلاق الملف، لكنها ستبقى مطالبة بإثبات التزام مصرفي صارم في كل ما يتصل بإيران والعقوبات 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها