المصدر: صوت لبنان
انقلاب الصناديق في الشمال، كيف أطاح القبارصة الأتراك بخطاب أنقرة الصلب؟
فوز إرهورمان يعيد الحياة إلى مشروع الفيدرالية ويضع القيادة القبرصية اليونانية أمام اختبار الشجاعة السياسية.
لم يكن ما حدث في شمال قبرص مجرد انتخابات رئاسية عادية، بل لحظة انعطاف نادرة في مسار جزيرة منقسمة منذ نصف قرن. فالهزيمة الساحقة التي مني بها إرسين تتار، مرشح أنقرة المتشدد والمدافع الشرس عن مشروع الدولتين القبرصيتين، شكلت استفتاء ضمنيا على وصاية تركيا السياسية وعلى خطابها الصلب. في المقابل، حمل فوز توفان إرهورمان بنسبة فاقت التوقعات نفسا جديدا، وأعاد الأمل إلى مشروع الاتحاد الفيدرالي للجزيرة، الذي تراجع تحت ضغط الانقسامات الإقليمية وتصلب المواقف الداخلية.
منذ إعلان النتائج، بدا واضحاً خطاب تغير في الشمال. دعا إرهورمان إلى استئناف المفاوضات بين القبارصة الأتراك واليونان ضمن الإطار الأممي المتفق عليه، ووجه إشارات مباشرة إلى الأمم المتحدة ونيقوسيا الجنوبية، معلنا استعداده لتطبيق خطوات عملية في مجالات الطاقة والإنقاذ البحري وحماية التراث الثقافي المشترك. هذه الملفات التقنية تحمل دلالات رمزية عميقة، إذ تعيد ربط شرايين الجزيرة ببعضها وتختبر جدية الطرفين في بناء الثقة قبل الخوض في قضايا السيادة والأمن.
الجنوب في مواجهة مرآته
على الجانب الآخر من الخط الأخضر، تبدو القيادة القبرصية اليونانية أمام معادلة صعبة. فالمجتمع السياسي في نيقوسيا يعاني انقساما شبه متجذر، حيث يرفض ما يقارب نصف الأحزاب فكرة الفيدرالية أصلا. كما ما زالت ذاكرة الرفض الشعبي لخطة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان عام 2004 تحكم المزاج العام وتربط أي تسوية بتهمة “التفريط بالسيادة”. غير أن اللحظة الراهنة، كما يراها مراقبون أوروبيون، تمثل فرصة نادرة لتبديل قواعد اللعبة، فالاتحاد الأوروبي وواشنطن ينظران إلى فوز إرهورمان كاختبار لقدرة الجزيرة على الخروج من الجمود الدبلوماسي الذي عطل مواردها وعمّق عزلتها.
غاز المتوسط يرسم خريطة السلام المقبلة
ما يجعل هذه الفرصة أكثر إلحاحا هو سياق الطاقة في شرق المتوسط. فالاكتشافات الجديدة، من حقل “أفروديت” إلى مشروع “بيغاسوس-1″، تضع قبرص في قلب توازنات الغاز الإقليمي بين تركيا، واليونان، ومصر، وإسرائيل. أي خطوة نحو تسوية سياسية ستترجم مباشرة إلى استقرار في الحدود البحرية واستثمارات كبرى في الربط الكهربائي الإقليمي، بينما استمرار الانقسام يعني بقاء الجزيرة رهينة نزاعات الترسيم وضغط أنقرة المتزايد.
لكن إرهورمان نفسه يسير في حقل ألغام سياسي. فأنقرة التي هنأته علنا لا تخفي امتعاضها من خطابه التصالحي، وتصر على عدم تجاوز “الخطوط الحمراء” التي رسمتها حكومة أردوغان في ملفي السيادة والعلاقات الخارجية. ومع ذلك، يراهن الرئيس الجديد على معادلة ذكية، توسيع التعاون العملي مع الجنوب تحت مظلة أممية وأوروبية تضمن لتركيا دورا اقتصاديا غير مهيمن، وتفتح في المقابل الباب أمام إنهاء العزلة المفروضة على الشمال منذ عقود.
الفرصة الأخيرة قبل عودة الجدران
نجاح هذا المسار يتوقف الآن على سرعة تجاوب نيقوسيا الجنوبية. فكل يوم تأخير يمنح المتشددين في الجانبين فرصة لإعادة إنتاج الخوف المتبادل، ويضعف الأصوات الداعية إلى المصالحة. لا تحتاج قبرص اليوم إلى اتفاق شامل بين ليلة وضحاها، بل إلى خارطة طريق واضحة تعيد بناء الثقة عبر خطوات تدريجية، مشروع طاقة مشترك، تنسيق بحري متبادل، ورمزية ترميم كنيسة ومسجد في منطقتين متقابلتين. تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع عادة السلام الكبير.
الجزيرة التي ظلت لعقود مختبرا للانقسام قد تتحول، إن أحسن القادة الإصغاء إلى نبض الصناديق، إلى مختبر لنموذج فريد من التعايش في شرق مضطرب. فوز إرهورمان ليس مجرد هزيمة لأنقرة، بل لحظة تذكير بأن القبارصة، شمالا وجنوبا، ما زالوا قادرين على انتزاع مستقبلهم من ظل الجغرافيا والسياسة معا.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها