المصدر: صوت لبنان
تشكيل النظام الدولي الجديد بين اقتصاد الممرات وصراع القوى الكبرى؟!
تشهد البيئة الدولية في المرحلة الراهنة تحوّلاً بنيوياً عميقاً يتجاوز منطق الأزمات الظرفية إلى إعادة صياغة قواعد النظام العالمي ذاته. فالتوترات الممتدة من لبنان إلى الصين، مروراً بمضيق هرمز، والمواقف المتباينة داخل المعسكر الغربي، ليست سوى مظاهر سطحية لصراع أكثر عمقاً يتمحور حول السيطرة على الاقتصاد العالمي وممراته الحيوية. وفي هذا السياق، لم تعد الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران حدثاً معزولاً، بل جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع تتقاطع فيها الحرب الاقتصادية الأميركية–الصينية مع إعادة توزيع الأدوار الإقليمية في الشرق الأوسط. لقد دخلت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين مرحلة متقدمة من إعادة هندسة التجارة العالمية.
فالإجراءات الحمائية الأميركية، التي رفعت متوسط الرسوم الجمركية إلى مستويات غير مسبوقة منذ قرن، لم تكن مجرد أدوات ضغط اقتصادي، بل شكلت آلية لإعادة توجيه سلاسل الإمداد وإعادة توزيع مراكز الإنتاج. وقد أدت هذه السياسات إلى تحويل مئات المليارات من الدولارات من مساراتها التقليدية، وإلى تراجع كبير في حجم التبادل المباشر بين القوتين، مقابل صعود مسارات بديلة تربط الصين بأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. في المقابل، عملت بكين على ترسيخ بنية موازية للنظام الاقتصادي العالمي عبر توسيع مبادرة “الحزام والطريق” وتعزيز استخدام عملتها الوطنية في التجارة الدولية، في مسعى تدريجي لتقويض الهيمنة التاريخية للدولار. ضمن هذا الإطار، يكتسب مضيق هرمز أهميته ليس بوصفه سبباً للصراع، بل باعتباره أداة ضمنه. فالمضيق، الذي تمر عبره نسبة تقارب خُمس تجارة النفط العالمية، أصبح ورقة ضغط في معادلة أوسع تتعلق بإعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن تعطيل هذا الممر يؤدي فوراً إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط، وإلى اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، ما ينعكس على الاقتصاد الدولي بأسره. غير أن الأهم هو أن هذه الاضطرابات تُستثمر استراتيجياً، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز موقعها كمصدر بديل للطاقة، في حين تعمل الصين على تسريع البحث عن مسارات بديلة تقلل من تعرضها للاختناقات الجيوسياسية. في موازاة ذلك، تكشف مواقف الدول الغربية عن تصدّع متزايد داخل بنية التحالفات التقليدية. فالتباين الأوروبي إزاء السياسات الأميركية، سواء فيما يتعلق بالعقوبات أو بالمواجهات العسكرية، يعكس إدراكاً متنامياً بأن كلفة الانخراط في الاستراتيجية الأميركية لم تعد مضمونة العائد. وينسحب هذا الأمر أيضاً على كندا، التي وجدت نفسها، رغم موقعها كحليف استراتيجي، متأثرة مباشرة بالسياسات التجارية الحمائية. في هذا السياق، تبرز أهمية التحذير الذي عبّر عنه Mark Carney حين أشار إلى أن الدول “إن لم تكن على طاولة المفاوضات، فإنها ستكون على قائمة الطعام”، وهي عبارة تختزل تحوّلاً جوهرياً في طبيعة النظام الدولي؛ إذ لم يعد الاصطفاف التقليدي كافياً لضمان المصالح، بل أصبح الحضور الفاعل في صياغة القواعد شرطاً أساسياً لتجنب التهميش أو الاستغلال. يكتسب هذا التحذير دلالات أعمق في ضوء التحولات الجارية في الشرق الأوسط، حيث يجري إعادة تعريف أدوار القوى الإقليمية ضمن ما يمكن وصفه بنظام “وظيفي” جديد. فإيران لم تعد مجرد خصم إقليمي، بل تحولت إلى عقدة مركزية في معادلة الطاقة والممرات، وشريك استراتيجي للصين في مواجهة الضغوط الغربية. في المقابل، تسعى دول الخليج إلى تحقيق توازن دقيق بين دورها كمصدر رئيسي للطاقة وبين حاجتها إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية. أما تركيا، فقد عززت موقعها كفاعل وسيط يمتلك هامشاً متزايداً من الاستقلالية، مستفيدة من موقعها الجغرافي بين الشرق والغرب، فيما تكتسب سوريا أهمية متزايدة كممر جغرافي محتمل ضمن شبكات النقل البرية المستقبلية.
في قلب هذه التحولات، تحاول إسرائيل توظيف الصراع لتعزيز موقعها الإقليمي، سواء عبر توسيع نفوذها الأمني أو من خلال السعي إلى فرض وقائع جيوسياسية جديدة. غير أن هذا المسار يصطدم بتناقض بنيوي يتمثل في تعارضه مع منطق الاقتصاد العالمي الجديد القائم على الاستقرار والتكامل، إذ إن التصعيد المستمر لا يهدد الخصوم فحسب، بل ينعكس أيضاً على مصالح الحلفاء ويقوض البيئة اللازمة لتنفيذ مشاريع الطاقة والبنية التحتية العابرة للحدود.
وفي سياق تدعيم هذا التحليل بمؤشرات كمية تعكس الترابط العضوي بين الجغرافيا السياسية والتحولات الاقتصادية، تبرز بوضوح حركة الأسواق العالمية خلال المرحلة الأخيرة، حيث ارتفعت أسعار النفط، ممثلة بخام Brent crude oil، من متوسط يقارب 75 دولاراً للبرميل إلى نطاق يتراوح بين 105 و115 دولاراً خلال فترات التوتر المرتبطة بمضيق هرمز، أي بزيادة تقارب 40–50%، فيما سجّلت أسعار الغاز الطبيعي المسال ارتفاعات تجاوزت 30% في الأسواق الآسيوية، ما يعكس هشاشة أمن الطاقة العالمي أمام أي اختلال في الممرات الحيوية. وبالتوازي، حقق Gold مستويات تاريخية قرب 4500 دولار للأونصة، مدفوعاً بتصاعد المخاطر الجيوسياسية وزيادة طلب البنوك المركزية عليه كأداة تحوّط، مع تنامي التوقعات بوصوله إلى نطاقات أعلى قد تلامس 5600 دولار في حال استمرار الضغوط على النظام المالي الدولي، فيما تبقى السيناريوهات التي تضعه عند مستويات أعلى بكثير ضمن فرضيات استثنائية غير مرجّحة في المدى القريب. وعلى صعيد النقل والتجارة، ارتفعت كلفة شحن الحاويات بين آسيا وأوروبا بنسبة تراوحت بين 60 و120% مقارنة بمتوسطات ما قبل الأزمات، في حين تضاعفت أقساط التأمين البحري على السفن العابرة للممرات عالية المخاطر إلى أكثر من ثلاث مرات، وهو ما يعكس إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بشكل مباشر في كلفة التجارة العالمية. وقد انعكست هذه الضغوط على معدلات التضخم، التي استقرت في نطاق 5–7% في الاقتصادات المتقدمة وتجاوزت 10% في العديد من الأسواق الناشئة، مدفوعة بارتفاع كلف الطاقة والنقل، في وقت بلغ فيه الدين العالمي مستويات قياسية تخطت 315 تريليون دولار، أي ما يزيد عن 330% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الأمر الذي يحدّ من قدرة الحكومات على امتصاص الصدمات ويجعل الاقتصاد الدولي أكثر حساسية لأي اضطراب. إن تلاقي هذه المؤشرات—من الطاقة إلى الذهب، ومن الشحن إلى التضخم والدين—لا يقدّم فقط دليلاً رقمياً على عمق الأزمة، بل يؤكد أن التوترات الجيوسياسية لم تعد أحداثاً عابرة، بل أصبحت عاملاً بنيوياً يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وهذا ما ظهر جليا” في اجتماعات الربيع في واشنطن.
بالتوازي، تبرز مؤشرات متزايدة على تآكل الهيمنة الأميركية، ليس بالمعنى التقليدي لانحسار القوة، بل من حيث تراجع القدرة على فرض قواعد اللعبة بشكل أحادي. فالاستخدام المتكرر للأدوات المالية، وفي مقدمتها الدولار، كوسيلة ضغط، دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل، سواء عبر تنويع احتياطاتها أو عبر اعتماد عملات أخرى في التبادل التجاري، ما يسرّع تدريجياً إعادة تشكيل النظام المالي العالمي.
في ضوء ما تقدم، يتضح أن العالم يتجه نحو مرحلة تعاد فيها صياغة التحالفات وفق منطق جديد، تكون فيه الطاقة والممرات الدولية العامل الحاسم. فالصراع لم يعد يدور حول السيطرة العسكرية المباشرة، بل حول التحكم في تدفقات التجارة والطاقة والبيانات. وفي هذا السياق، يصبح تحذير كارني بمثابة قاعدة تفسيرية لفهم سلوك الدول: فالمشاركة في صياغة النظام الجديد لم تعد خياراً، بل ضرورة وجودية لتجنب الوقوع في موقع المتلقي للقرارات.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة ستشهد تنافساً بين نموذجين متناقضين: نموذج يقوم على النزاعات المفتوحة وتوظيف القوة الصلبة، ونموذج يسعى إلى بناء شبكات من التكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة. غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن كلفة الصراعات باتت تفوق قدرتها على تحقيق مكاسب مستدامة، وأن الضغوط الاقتصادية ستدفع تدريجياً نحو تغليب منطق التعاون. إن خريطة التحالفات الجديدة لن ترسمها الحروب بقدر ما سترسمها خطوط الطاقة والممرات الاقتصادية. وفي عالم يتسارع فيه التغيير، لم يعد ما يصلح اليوم صالحاً للغد، ولم تعد الهيمنة الأحادية قادرة على الاستمرار دون كلفة مرتفعة. لذلك، فإن الاتجاه العام، رغم الضجيج الحالي، يميل نحو انتقال تدريجي من منطق الصدام إلى منطق التنمية، حيث تدرك الدول أن القفز من قارب النزاعات إلى قارب الاستقرار لم يعد ترفاً سياسياً، بل شرطاً للبقاء في النظام الدولي الجديد.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها