play icon pause icon

منى فياض

الأثنين ٢٢ أيلول ٢٠٢٥ - 08:51

المصدر: صوت لبنان

جدال صخرة الروشة كمدخل لفهم بيئة حزب الله

كان هذا الاسبوع حافلاً ومحملاً بشحنات عاطفية وانفعالية كبيرة. فهو حمل ذكرى تفجير البايجرز واغتيال نصرالله لاحقاً، وحفِل بالنقاشات حول اعتزام حزب الله تعليق صورة الشهيدين السيد نصرالله والسيد صفي الدين على صخرة الروشة. وحمّل الحزب الدولة مسؤولية الاحتلال الاسرائيلي ومفاعيل حرب الاسناد التي شنها على اسرائيل. كل ذلك أثار مختلف الاعتراضات والنقد للحزب، من سياسيين وناشطين وغيرهم.
يسأل المرء نفسه هنا، كيف نفسّر هذا السلوك من الحزب وبيئته؟ ساحاول تقديم تحليل أولي لفهم خلفية تصرفاتهم ونمط تفكيرهم وعوامل ارتباطهم العاطفي بالسيد نصرالله، بالتركيز على البنية النفسية – الرمزية للموقف من القيادة وتقديسها كحل لملء فراغ القلق واللايقين.
يُظهر التعلّق الكبير بشخصية السيد حسن نصرالله بُعداً نفسياً عميقاً يمكن قراءته من خلال منظور كارل يونغ، خصوصاً في كتابه الحاضر والمستقبل. يرى يونغ أن الجماعات حين تواجه أزمات وجودية أو تهديدات عميقة، تميل إلى إسقاط مخاوفها ورغباتها على شخصية قيادية لتتحول إلى رمز يجمع بين صورة الأب والمخلّص. من هنا يمكن فهم كيف أن نصرالله يُصوَّر كـالحامي و”أب الفقراء والمساكين”، أو كمن أعاد للبنان، بنظرهم، حضوراً عالمياً بعد أن كان مهمّشاً!! وبغض النظر عن نوعية هذا الحضور او مدى ارتباطه بالخروج على القوانين الدولية.
هذا التقديس يتجاوز البعد السياسي إلى ما يشبه الرمز الجمعي أو الأركيتايب (Archetype) الذي يربط الأفراد ببنية أعمق من العقل الجمعي. فحين يقول أنصاره: انهم “لو يعرفون أن موتهم يعيده للحياة لماتوا من أجله في الحال”، فهم بهذا لا يعبّرون فقط عن ولاء سياسي، بل عن استعداد نفسي قائم على الاندماج الكلّي في رمز يوفّر لهم معنىً يتخطى الحياة الفردية الزائلة بنظرهم.

كما أن إدانتهم لاستخدام كلمة قتيل بدل كلمة شهيد – من قبل الأفرقاء اللبنانيين الآخرين (وهي عادة متأصلة لبنانياً في عدم الاعتراف بشهداء الخصم) – يثير حفيظتهم، فهم يستخدمون الآن تعبير ارتقى، بما تتضمنه من معنى السمّو وفعل الصعود الى السماء لبلوغ الجنة.
كل هذا يعكس الحاجة إلى إعطاء الموت معنى متعالٍ وسامٍ. تماماً كما يشير يونغ إلى أن الإنسان لا يحتمل عبثية الفناء دون غطاء رمزي أو ميتافيزيقي. هذه الرمزية تجعل الجماعة ترفض أي تفكير نقدي حول أسباب الخسائر أو جدوى الصراع. مؤخراً اعتبر احد نواب الحزب ان السلاح مقدس، فما بالك إذن بالشهداء؟ حينها يصبح السؤال نفسه تهديداً لهوية مقدسة.
في المقابل، يمكن فهم تغييب الحسن مقابل الحسين في خطابهم على أنه اختيار واعٍ لرمز التضحية والفداء بدل رمز التسوية أو الاعتدال. هنا نجد ما وصفه يونغ بـ “الانحياز إلى صورة الظل”؛ أي الانجذاب إلى النموذج الأكثر دراميةً ومأساويةً، لأنه يمنح شعوراً أقوى بالمعنى والبطولة.
إذن، ما يبدو من الخارج مجرد خطاب تعبوي أو انفعالي هو في جوهره بنية نفسية – رمزية، حيث تتحول القيادة إلى صورة أركيتيبية تملأ فراغ القلق واللايقين، وتعيد إنتاج ولاء جماعي يَحول دون طرح الأسئلة النقدية أو مراجعة المسار.
وبالنسبة لهم، وفي حالة الانكار التي يعيشون فيها واقعهم، لا يزالون غير قادرين على الخروج من حصار هذه البنية النفسية والعقلية التي تم تأطيرها وبناؤها على امتداد 40 عاماً، ما سمح للحزب وللإيديولوجية الإيرانية بإيجاد بنية صلبة سيطول زمن تفكيكها ويستلزم الكثير من الجهد والوقت.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها