محمد موسى

الثلاثاء ٢٣ كانون الأول ٢٠٢٥ - 10:16

المصدر: صوت لبنان

زمن الميلاد: الأب جورج حبيقة نموذجا” حينما يصبح الاختلاف في العقيدة باب معرفة لا ساحة نزاع

 

 

في زمن الميلاد يحضر البعد الروحي الجامع، يطلّ المسيح، عيسى ابن مريم، في الوعي الإسلامي بوصفه روحاً من الله وكلمته ألقاها إلى مريم، آيةً ورحمةً للعالمين. هذه الصورة، التي تتقاطع فيها القداسة بين الإسلام والمسيحية، تجعل من السيدة مريم عليها السلام وعائلتها مساحة التقاء روحية وإنسانية نادرة، حيث تتقدّم القيم على الانقسامات، ويصبح الإيمان بالرحمة والعدل والمحبة أساساً للعيش المشترك. وفي زمن الميلاد، يتكرّس الولاء للقيم قبل أي ولاء آخر: للحق، وللإنسان، وللأخلاق التي تحفظ الأوطان وتمنحها معنى. من هنا، لا يكون الميلاد حدثاً دينياً خاصاً، بل مناسبة جامعة يتلاقى فيها اللبنانيون على روح الله وكلمته، وعلى رسالة نور قادرة على جمع القلوب وصون العائلة الوطنية.

وهنا يبرز معي في الفترة الأخيرة خاصة بعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر أسم الأب جورج حبيقة اطال إله عمره تلكم القيمة اللبنانية المشرقيّة التي تستحق كل التقدير، لا بوصفه اسماً في السجال العام فحسب، بل باعتباره حالة فكرية وأخلاقية نادرة في زمن الانقسام والتطييف. فغزارة فكره لا تنبع من كثرة القول، بل من عمق الرؤية، ومن قدرة لافتة على الجمع بين ما يُظنّ متناقضاً: الإيمان العميق بالهوية المسيحية، والانفتاح الصادق على الإسلام، والانتماء الصافي إلى لبنان بوصفه رسالة قبل أن يكون وطناً وربما هنا بيت القصيد …. لبنان الرسالة.

في فكر جورج حبيقة، لا تُختزل المسيحية بشعارات دفاعية ولا تتحوّل إلى أداة صدام مع الآخر. هي مسيحية راسخة، واثقة من ذاتها، لا تخاف الحوار ولا ترى في الاختلاف تهديداً. من هذا الموقع، ينفتح حبيقة على الإسلام لا مجاملة ولا حساباً سياسياً، بل إيماناً بأن ما يجمع بين اللبنانيين أعمق بكثير مما يفرّقهم. فهو يرى في التجربة اللبنانية مساحة التقاء روحي وثقافي، حيث يلتقي نور الإيمان المسيحي مع قيم الإسلام الأخلاقية والإنسانية، وحيث يصبح الاختلاف في العقيدة باب معرفة لا ساحة نزاع. والكل تحت شعار تعالوا الى كلمة سواء وما احوجنا في كل المشرق الى تعالوا بكليتها التي تجمع ولا تفرق وكل منا على معتقداته مرفوع الرأس والهامة مع كل التقدير للأخر حيث المواطنة أكبر جامع.

عند جورج حبيقة، لا يتحوّل الاختلاف بين المسيح الإله في الإيمان المسيحي والمسيح النبي في الإسلام إلى مادة صراع أو إلغاء، بل إلى مساحة تأمل واحترام. فالمسيح، في الحالتين، هو رمز للنور والرحمة والتضحية، وهو قيمة أخلاقية عليا قادرة على جمع القلوب لا تفريقها. من هنا، يقرأ حبيقة لبنان بوصفه مثالاً رسولياً حيّاً، لا لأن النصوص قالت بذلك فقط، بل لأن هذا البلد الصغير قادر، إذا أحسن أبناؤه فهم ذواتهم، على تقديم نموذج فريد للتعايش الروحي والحضاري.

لبنان الذي يريده الأب جورج حبيقة ونحن معه ليس ساحة صراع هويات، بل وطن مواطنة. مواطنة لا تلغي الخصوصيات، بل تحميها ضمن إطار جامع، حيث يكون الانتماء الأول للدولة والقيم المشتركة، لا للطائفة والخوف. في هذا المعنى، تصبح “مواطنة حبيقة” مشروعاً ثقافياً وأخلاقياً قبل أن تكون طرحاً سياسياً، مشروعاً يعيد الاعتبار للعقل، وللغة الهادئة، وللإيجابية التي ترفض الكراهية وتقاوم اليأس.

إننا، في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان، بأمسّ الحاجة إلى الأب جورج حبيقة، لا كشخص فقط، بل كفكرة وثقافة ونهج. بحاجة إلى فكره الجامع في زمن التشظي، وإلى هدوئه في زمن الصراخ، وإلى إيمانه بلبنان الممكن في زمن الإحباط. فلبنان الإيجابي القادم، لبنان كل أبنائه، لن يُبنى بخطاب الغلبة ولا بثقافة الإلغاء بل بروح خطاب القسم لفخامة الرئيس حيث لا مكسور في الوطن ولا مستقوي، بل يبنى بمثل هذه العقول التي تؤمن بأن الاختلاف غنى، وبأن الوطن يتّسع للجميع.

إن الصورة المشرقة التي يمثّلها الأب جورج حبيقة: صورة اللبناني المؤمن بوطنه، المعتزّ بإيمانه، المحتضن لكل المشرق من بيت لحم والناصرة الى معلولا ووادي الأردن وفرات العراق وكل المشرق، صورة ذلك المسيحي المنسحق تواضعا” على ما وصى البابا لاوون في رسالته والمنفتح على شريكه في الوطن، والحالم بلبنان رسالة لا متراس. إنها صورة تستحق أن تُرفع عالياً، لا لشخصها فقط، بل لما تختزنه من أمل بأن لبنان لا يزال قادراً على النهوض، إذا اختار ثقافة الحياة على ثقافة الانقسام البغيض.

الأب جورج حبيقة في زمن الميلاد لك وكل المسيحين على امتداد المشرق والمغرب ألف تحية.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها