المصدر: صوت لبنان
ظاهرة تبييض الاموال والذهنيات الاقتصادية
الفكرة الأساسية في تبييض الأموال هي إخفاء الأصل غير المشروع للمال عبر تمريره في قنوات تبدو قانونية. لذلك يلجأ المبيضون إلى كل أنواع الأنشطة التي يبدو فيها التعامل المالي طبيعياً أو كثيفاً أو صعب التتبع.
من الأمثلة الواضحة التي يسهل استغلالها لتبييض الأموار:
تجارة السلع الصغيرة والكبيرة: قطع غيار، ملابس، مواد غذائية، إلكترونيات…
المطاعم والمقاهي:وملاهي، العقارات، المحروقات والمواد الاستهلاكية،المجوهرات والمعادن الثمينة: سهلة النقل وصعبة التتبع. الجمعيات “الوهمية”: تحت ستار عمل خيري. التجارة عبر الإنترنت: الفواتير سهلة التحوير.
ما جعلني اهتم بالموضع، مفاجأة افتتاح متجر واسع بطوابق عدة لبيع الالبسة الجاهزة مؤخراً، مقابل الاذاعة اللبنانية.
الغريب أنه في قلب الانهيار الذي يعيشه لبنان، تتكاثر حركة ملفتة في الاسواق تبدو للوهلة الأولى كأنها دليل على حياة اقتصادية سوية ومزدهرة:
متاجر ملابس في كل شارع، محال جديدة لبيع النظارات وإكسسوارات الهواتف، محال لبيع الهدايا، مطاعم صغيرة بلا روّاد، مكاتب صيرفة تملأ الأحياء حتى الهامشية منها، ومحال ذهب وفضة تُفتح بوتيرة لافتة وحتى “مستشفيات” للحيوانات.
مشهد يجعلنا نظن أننا نعيش في مدينة مزدهرة، لكن هذا في الحقيقة يشير إلى اقتصاد ينهار من الداخل، ويعيد تشكيل نفسه على شكل متوازٍ او اقتصاد ظل، لا يشبه الاقتصاد الحقيقي إلا ظاهرياً.
هذا الشكل من “الازدهار البصري” ليس جديداً في تاريخ الدول التي انهارت عملتها وخرجت مصارفها عن دورها. المشهد ذاته يتكرر في فنزويلا والعراق والأرجنتين، حيث تستيقظ المدن فجأة على طوفان متاجر لا علاقة لها بطلب السوق الحقيقي ولا بالقدرة الشرائية. عند الانهيار، تصبح المدينة واجهة تجارية تعيش على حافة الفراغ: واجهات مضاءة، بضائع معلّقة، ومبيعات محدودة جداً. ومع ذلك، تستمر المتاجر في الظهور كما لو أن السوق يفتح ذراعيه للجميع، بينما السوق في الواقع ينكمش ويذبل.
في لبنان، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن التحوّل الكبير نحو اقتصاد نقدي كامل. فبعد انهيار المصارف، خرجت الأموال من النظام الرسمي، وصار الكاش سيد الساحة دون منازع. والكاش، حين يصبح خارج الرقابة، يولّد اقتصاداً موازياً يعيش في الظل، لا ترغب الدولة رؤيته ولا ضبطه، لكنه يتحكّم بالبلد أكثر من أي اقتصاد نظامي.
هنا تحديداً تظهر المتاجر الصغيرة التي لا تحتاج رأس مال كبير، ولا تتطلب زبائن فعليين لتبقى مفتوحة. يكفي أن تتحوّل إلى قناة تمرّ عبرها الأموال: تُسجَّل فيها فواتير وهمية، تُضخِّم الأسعار، وتُستخدم كواجهة لإدخال أموال لا تريد المرور عبر النظام الضريبي أو المالي.
محال الصيرفة مثال واضح على ذلك. لقد تحوّلت من خدمة مالية إلى شبكة واسعة تتحرك خارج أي تخطيط اقتصادي. تكاثرت كالفطر في أحياء لم تعرف الصيرفة يوماً. لا يفسّر هذا التضخم عددُ السكان، ولا حجم التحويلات، بل يفسّره وجود طلب كبير على التبادل النقدي غير الرسمي، وعلى التحويلات التي لا تمر عبر المصارف، وعلى اقتصاد يحتاج إلى طرق سريعة ومباشرة لتحريك الأموال دون أن يترك خلفه أثرًا.
أما محال الذهب والفضة، فقصتها أكثر تعقيداً للبنانيين الذين فقدوا ثقتهم بالمصارف فاتجهوا نحو الذهب كملاذ آمن، يخزّنون فيه ما تبقّى لهم من مدّخرات. لكن تكاثر محال الذهب لا يشير فقط إلى خوف الناس، بل إلى حركة أموال أكبر من القدرة الشرائية للمجتمع. الذهب، بخفّة وزنه وقيمته العالية وسهولة نقله، يشكّل أداة مثالية لتدوير المال ولتمريره عبر الحدود. وهو في حقب الانهيارات، يتحوّل إلى لغة ثانية للتمويل الموازي، إلى عملة صامتة لا تحتاج إلى توقيع ولا تخضع لرقابة جدية. حين تُفتح محلات لبيع كيلوات الفضة وأونصات الذهب في أحياء لم تعرف هذا النوع من التجارة، يتضح أن الهدف يتجاوز البيع العادي وأن الذهب لم يعد مجرد معدن بل أصبح قناة مالية.
ما يجمع بين كل هذه الظواهر، من المتاجر الصغيرة إلى الصيرفة والذهب، هو غياب الدولة أو تواطؤها. فلو مارست الدولة دورها الطبيعي في فرض الضرائب وتنظيم السوق، لما استطاعت هذه المتاجر أن تتكاثر بهذه السرعة. كان يمكن للجباية وحدها أن تكشف حجم الفواتير المزوّرة، وأن تضبط حركة الأموال، وأن تمنع هذا الانفلاش التجاري الذي لا يخدم الدولة ولا المجتمع. لكن انهيار الإدارة العامة، وضعف الرقابة، ووجود مصالح سياسية تتغذى من الفوضى، كلّها عوامل جعلت من الفضاء الاقتصادي مساحة مفتوحة أمام أي نشاط يريده أصحابه، مهما كان حجمه الفعلي أو غايته الحقيقية.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها