شفيق طاهر

الجمعة ٦ شباط ٢٠٢٦ - 16:37

المصدر: صوت لبنان

عندما أصبحت أزمة المياه العالمية واقعاً لا يمكن تجاهله

 

في عام 2025، وجد العالم نفسه أمام لحظة فارقة، أزمة المياه لم تعد توقعا علميا أو تحذيرا بيئيا، بل واقعا يوميا يضغط على الاقتصادات والمجتمعات والحدود. فبين الجفاف يزداد قسوة، وموارد المياه تتراجع، وتوترات السياسية تتصاعد، تحولت المياه من عنصر حياة إلى محور صراع وتخطيط استراتيجي.

مناخ متطرف يضغط على آخر ما تبقى

تجلى أثر تغير المناخ بوضوح غير مسبوق. ففي جنوب آسيا، سجل حوضا السند والغانج أدنى معدلات للأمطار الموسمية منذ مئة عام، ما قلص مياه الري بنسبة 20%. أما الشرق الأوسط، فدخل عاما خامسا من جفاف شديد عمق أزمة الموارد في واحدة من أكثر المناطق عطشاً في العالم.

وإلى جانب الجفاف، جاءت الأنهار الجليدية لتقدم إشارة إنذار أخرى. فقد فقدت جبال الهيمالايا وحدها 30 كيلومترا مكعبا من الجليد خلال 2025، ما خفض تدفق المياه الموسمية نحو أنهار كبرى تخدم مئات الملايين. وفي الأنديز في اميركا الجنوبية، أدى تراجع جليد باتاغونيا إلى تهديد كبير لتوليد الطاقة الكهرومائية.

ومع موجات الحرارة المتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة، ارتفعت معدلات التبخر في الأنهار والخزانات، لتعمق الفجوة بين الحاجة المتزايدة للمياه والمتاح منها.

الضغط السكاني… مدن تتوسع وموارد تتراجع

مع تجاوز عدد سكان العالم 8 مليارات، شهدت المدن الكبرى في آسيا وإفريقيا توسعا غير منظم دفع ملايين السكان للاعتماد على آبار بدائية ومياه سطحية ملوثة. وازدادت الأزمة تعقيدا مع صعود الطبقة الوسطى في دول ناشئة مثل البرازيل وفيتنام، حيث ارتفع الطلب المنزلي على المياه بفعل الأجهزة الكهربائية وأنماط الحياة الجديدة.

بحلول 2026، سيتجاوز الاستهلاك العالمي للمياه 4000 كيلومتر مكعب سنويا، وهو أعلى من الحد المستدام الذي حدده برنامج الأمم المتحدة.

الزراعة… المستهلك الأكبر يدفع الثمن

تشكل الزراعة نسبة 70% من استهلاك العالم للمياه، وهي القطاع الأكثر تعرضا لتغير المناخ. ولتعويض تراجع الإنتاج في مناطق مثل الساحل الافريقي وآسيا الوسطى والغرب الأوسط الأميركي، لجأت الدول إلى توسيع المساحات المروية بمياه الابار الجوفية، ما سرع وتيرة استنزاف المياه الجوفية.

طبقة أوغالالا في الولايات المتحدة، أحد أكبر خزانات المياه الجوفية في العالم، شهدت انخفاضا بمعدل مترين سنويا، ما يهدد مستقبل الزراعة في قلب أميركا الزراعي.

هذا التراجع انعكس فورا على الأسواق، فأسعار القمح العالمية ارتفعت بنسبة 25%، بينما هبط إنتاج البن الإثيوبي بنحو 40%، مؤثرا على ملايين المزارعين والمستهلكين حول العالم.

المياه… شرارة نزاعات جديدة

لم يكن غريبا أن تتحول المياه إلى قضية أمن قومي. ففي حوض النيل، سادت أجواء من التوتر بين مصر والسودان وإثيوبيا بعد تباطؤ ملء خزان سد النهضة الاثيوبي بفعل شح الأمطار. وتعثر المفاوضات رفع المخاوف من انزلاق سياسي أو عسكري.

وفي نهر الأردن، انخفض التدفق إلى أقل من 10% من مستواه التاريخي، ما أعاد فتح ملف تقاسم المياه بين إسرائيل وفلسطين والأردن.

أما في دجلة والفرات، فاشتعلت الخلافات بين تركيا والعراق بعد أن رفعت أنقرة إطلاقات سد أتاتورك، تاركة الأراضي العراقية في أسفل النهر بلا مياه كافية لمحاصيل الشتاء.

هذه التطورات دفعت الأمم المتحدة إلى عقد قمة طارئة تحت عنوان “أمن المياه ومنع النزاعات”.

صدمات صحية واقتصادية

لم تقف آثار الأزمة عند حدود الدول، بل وصلت إلى تفاصيل حياة الناس. فقد أدت المياه الملوثة إلى انتشار الكوليرا والتهاب الكبد A، بينما تسبب تسرب الملوحة الى مياه الشرب في بنغلاديش بارتفاع أمراض الكلى وضغط الدم.

الهجرة المرتبطة بالمياه بلغت مستوى قياسيا، إذ نزح نحو 12 مليون شخص داخليا في 2025 نتيجة الجفاف والفيضانات وفقدان مصادر العيش بزيادة تقدر 30% عن العام السابق. وكانت منطقة الساحل الافريقي أبرز مناطق الهجرة نحو أوروبا.

ما في المدن الفقيرة، تحولت المياه إلى عبء اقتصادي ثقيل. ففي مكسيكو سيتي، أدت زيادة التعرفة بنسبة 18% إلى دفع آلاف الأسر إلى “فقر مائي” حقيقي.

من رحم الأزمة… حلول تظهر

ورغم قتامة المشهد، شهد عام 2025 تقدما تقنيا وسياسيا لافتا:

• التحلية، توسعت قدرات دول الخليج وإسبانيا، مع ظهور محطات تعمل بالطاقة الشمسية تقلل الانبعاثات وتخفض التكاليف.

إعادة التدوير، ارتفعت نسب إعادة استخدام المياه عالمياً نحو 22%، مستلهمة تجارب سنغافورة ولوس أنجلوس وكيب تاون.

الحوكمة، أقرت كينيا قانونا جديدا لإدارة الموارد المائية، بينما اعتمد الاتحاد الأوروبي توجيهات إلزامية لتعزيز مرونة المياه.

التسعير الذكي، طبقت أستراليا وتشيلي والمغرب تسعيرا يعتمد على ندرة المياه الحقيقية، ما دفع المزارعين لاعتماد الري بالتنقيط ومحاصيل أقل استهلاكاً.

المبادرات المجتمعية، في إثيوبيا، لعبت التعاونيات النسائية دورا محوريا في جمع مياه الأمطار وتنقيتها، بينما استعادت القبائل الأميركية الأصلية حقوقا مائية تاريخية.

ما الذي ينتظر العالم؟

قدم عام 2025 درسا قاسيا، المياه ليست موردا مضمونا. المستقبل يعتمد على ثلاثة محاور أساسية:

كبح تغير المناخ لتقليل الجفاف والحفاظ على الأنهار الجليدية.

الاستثمار في البنية التحتية المائية خصوصا في الدول منخفضة الدخل.

تعزيز الحوكمة والتعاون عبر الحدود لمنع تحول الأحواض المشتركة إلى ساحات نزاع.

لقد كان 2025 عاما كشف هشاشة العالم المائية، لكنه أيضا أظهر أن الاستجابة ممكنة إذا توفرت الإرادة والموارد والحوكمة الرشيدة. ففي عالم يزداد حرارة وتطورا ونزاعات، ستبقى المياه الاختبار الحقيقي لقدرة البشرية على تجنب الأسوأ وصناعة مستقبل أكثر استدامة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها