المصدر: صوت لبنان
في النظام الدستوري الضامن للكيان المسيحي والمحيّد للبنان عن الصراعات الطائفية الداخلية والاقليمية
في النظام الدستوري الضامن للكيان المسيحي والمحيّد للبنان عن الصراعات الطائفية (الداخلية) والاقليمية (الخارجية) :
١- لقد تمّ وضع دستور الطائف سنة ١٩٩٠ على يد المملكة العربية السعودية وبرعايتها، بعد أن إنكسر الحصن المسيحي في المنطقة الشرقية المحرّرة بُعيد حرب التحرير التي خاضتها الحكومة الانتقالية للعماد ميشال عون آنذاك. فتمكنت المملكة من قضم صلاحيات دستورية ضامنة للكيان المسيحي وتحويلها الى مؤسسة مجلس الوزراء التي هي برئاسة الطائفة السنية.كما من إنتزاع المناصفة من المسيحيين لتعميمها على تكوين المؤسسات الدستورية المركزية (مجلس الوزراء، مجلس النواب، مجلس القضاء الأعلى)، وفي المواقع والمناصب العليا في الدولة. فضلاً عن تحويل البعض منها من حصة المسيحيين الى كل من الطائفتين السنية والشيعية.
٢- غير أن حرب ١٣ تشرين الأول ١٩٩٠ قد مكّنت النظام السوري، بعد أن إجتاح عسكرياً المناطق الشرقية المحرّرة، من أن يُحكم بقبضته الحديدية على نظام الحكم في لبنان حتى يتلاعب بتوازناته ويرسي قواعد حكم أبقت له اليد الطولى في التدخل في شؤونه، كما في تعزيز موقع الطائفة الشيعية في مقابل ما أُعطي للطائفة السنية من مكانة وصلاحيات وهيمنة، بقدر ما أُتبع برئيس مجلس الوزراء من مؤسسات وإدارات عامة ومجالس إنمائية.
٣- وقد إستمرت هذه الوضعية الى حين دخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على خط النظام البعثي العلوي السوري في تحالف إستراتيجي قضى بإغتيال الزعيم الأكبر للطائفة السنية في لبنان في شباط ٢٠٠٥ وإحلال سطوة الشيعية السياسية عليه من خلال انفلاش نفوذ حزب الله في مؤسسات الحكم وادارات الدولة ومؤسساتها المركزية، ما مكّنه من تعزيز كل مقومات “الدويلة” التي أنشأها، والتي تناولت كل القطاعات الخدماتية والثقافية والمالية والعسكرية والقتالية.
٤- فترسخت الشيعية السياسية من خلال سوء تطبيق أحكام الدستور وابتداع ممارسات وتفسيرات وهرطقات وأعراف، غير دستورية، مروراً بما تمّ انتزاعه بالقوة من مفاهيم ومصطلحات، غير دستورية دوماً، بواسطة ما تمّ فرضه بإتفاق الدوحة في أيار ٢٠٠٨، وما تمّ التسليم به من ممارسات بفعل سطوة السلاح والترهيب والتخوين والاغتيال.
٥- بحيث تحولت الشيعية السياسية الى مشروع اقليمي تابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ما وضعها في حالة تصادم وجودي وكياني مع الكيان الصهيوني، تمثّل بحرب تموز ٢٠٠٦ ومن ثم بحرب غزة في تشرين أول ٢٠٢٣ وصولاً الى حرب إيران بمواجهة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل منذ آخر شباط ٢٠٢٦ وحتى يومنا هذا.
٦- الأمر الذي طرح مسألة مصير الكيان الاسرائيلي على مصراعيه. وقد ثبت أن دستور الطائف وما تمّ تحميله من ممارسات قد شكّل الرافعة او الأداة الدستورية حتى تتمكن الشيعية السياسية بواسطة حزب أمل وحزب الله من خوض هذه المواجهة الوجودية الكيانية ضد هذا الكيان، انطلاقاً من الأراضي اللبنانية ولو على حساب اللبنانيين أجمعين وكل مقومات الدولة.
٧- سيما، وأن الكيان المسيحي في ظل التجاوزات والممارسات التي لحقت بأحكام الدستور قد جعلته عاجزاً عن تحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية التي تهدّد سيادته وسلامة أراضيه وأمان شعبه. فضلاً عن أنها مسّت بمكانة هذا الكيان وموقعه، كما بضمان تمايزه وفرادته.
دونما إغفال أن هذا العجز هو معدّ لان يتسع ويتعمّق إذا ما تمّ تطبيق ما لم يطبّق لحينه من بنود إتفاق الطائف،
(إلغاء الطائفية السياسية، لبنان دائرة انتخابية واحدة، مجلس نواب خارج القيد الطائفي، انشاء مجلس شيوخ، لامركزية إدارية فحسب).
وهو أمر تعمل عليه مؤخراً (زيارة مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان في ٢٠٢٦/٤/٢٥) القوتان الإسلاميتان المتخاصمتان-المتحالفتان في المنطقة العربية، اللتان هما المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، واللتان تتنازعان النفوذ على الأراضي اللبنانية.
٨- بحيث بات يتعين على الكيان المسيحي الخروج من قفص وقَمقَم الحكم المركزي في لبنان الذي لم يعد يشكل أي ضمانة لوجوده وكيانه السياسي، كما لتمايزه وفرادته، كذلك لحماية خصوصيته وثقافته. والذهاب للتوّ الى النظام اللامركزي الأوسع، من سياسي الى إتحادي فدرالي او حتى كونفدرالي.
الذي يحيّد لبنان عن الصراعات الاقليمية ويخرجه من دائرة الصراع الوجودي الدائر بين الجمهورية الإسلامية الايرانية ودولة إسرائيل، فيوفّر الضمانة الأمنية المستدامة التي ترمي اليها هذه الاخيرة. ما يُسهل خروجها النهائي والمستدام أيضاً من الأراضي اللبنانية ويُسقط مبرّرات إقامتها للحزام الأمني بداخلها، ويَكبح جماح مطامعها فيها، في حال سلّمنا بوجودها.
٩- فيُصار الى طرح هذا النظام اللامركزي على الادارة الاميركية التي ستتولى عملية ترويجه وتفعيل الزامية تطبيقه بضمانتها الذاتية وحمايتها العسكرية من خلال إتفاقية دفاع مشترك، تمّ طرحها بواسطة السيناتور ليندسي غراهام، ما دام ينطوي على توازنات طائفية تحيّد لبنان عن التدخلات الخارجية وتحول دون جعل أراضيه منطلقاً لأي عمليات عسكرية او عدائية او حربية لاحقة ضد أي من الدولتين، إسرائيل وسوريا، المجاورتين والمحاذيتين له.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها