فرانسوا ضاهر

الثلاثاء ١٤ نيسان ٢٠٢٦ - 22:24

المصدر: صوت لبنان

في ذكرى ١٣ نيسان ١٩٧٥ 

أولى الانتداب الفرنسي الطوائف المسيحية حكم البلاد بدستور ١٩٢٦ ضماناً لكيانهم السياسي كأقلية في المنطقة العربية وتثبيتاً لثقافتهم الغربية في تلك المنطقة. فذخّروا البلد بأصول وموجودات ومدخرات واحتياطات طوال العهود الاستقلالية الاولى، التي قفلت برئاسة الرئيس أمين الجميل، وذلك رغم تصدّي السنّية السياسية لهم ومنازعتهم صلاحياتهم الدستورية والاستعانة بالخارج لتقويض نفوذهم على مراحل متعاقبة. بدءاً من الولادة القيصرية للميثاق الوطني في سنة ١٩٤٣ مروراً بالثورة الناصرية السنية في سنة ١٩٥٨ والمحاولة الانقلابية القومية العربية في سنة ١٩٦١ وصولاً الى فرض الفلسطينيين والسنة اتفاق القاهرة في سنة ١٩٦٩ الذي مهّد للحرب الأهليه الانقلابية السنية الفلسطينية على النظام اللبناني، ذو الوجه المسيحي، التي إندلعت في ١٣ نيسان ١٩٧٥.

بحيث تمّ تثبيت هذين التصدي والمنازعة بدستور الطائف لسنة ١٩٩٠ الذي عدّل جذرياً بدستور ١٩٢٦، إثر الحروب العبثية الثلاث التي خاضتها الحكومة الانتقالية المبتورة برئاسة العماد ميشال عون ما بين ١٩٨٩ و ١٩٩٠. بحيث وافق المسيحيون على منح المسلمين المناصفة الكاملة في السلطات الدستورية الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفي المناصب العليا للدولة. كما وتنازلوا عن صلاحيات رئيس الجمهورية الرئاسية (prérogatives présidentielles) في السلطة الإجرائية لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً. حتى إنطلق من خلال الدستور الجديد للبنان عهد السنية السياسية على أوسع نطاق وتحقّق وممارسة فعليّة، من تجنيسٍ للغرباء وتمليكٍ للاجانب واستفاضةٍ في المديونية العامة وترسيخٍ للزبائنية والمنافع، الى حين تمّ دحرها بإغتيال زعيمها الرئيس الشهيد رفيق الحريري في شباط سنة ٢٠٠٥ على يد الشيعية السياسية التي تولّت عندئذ مقاليد حكم البلاد، ممثّلة بحزبي أمل وحزب الله، المدعومين معاً وعلى التوالي من النظام السوري البعثي العلوي ومن الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

كما تمّ، في غمرة ترسيخ حكم الشيعية السياسية هذه، أن إبتُدعت رزمة من الممارسات والأعراف والتفسيرات لاحكام الدستور، وهي غير دستورية، رمت كلها إلى تقويض ما تبقى من سلطات دستورية معطاة للمسيحيين. علماً أن بعضها قد أُقرّ بإتفاق الدوحة في أيار سنة ٢٠٠٨ الذي أُبرم على وقع وتحت وطأة الأحداث الدموية التي وقعت في ٧ أيار من السنة عينها.

فضلاً عن أنه تمّ أيضاً، إعتماد تطبيقات لاحكام الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، أتاحت، هي كذلك، توسيع رقعة نفوذ الشيعية السياسية الى حدّ إمساكها بمقاليد حكم البلاد على وجه متقدم، من اقفالٍ لمجلس النواب وتحكّمِ رئيسه بأعماله وتثبيتٍ لحكم الترويكا في السلطة الإجرائية. ما مكّن حزب الله، بتغطية من حلفائه، من إقامة دويلة تابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية على أرض الدولة اللبنانية. تمّ من خلالها إتباع هذه الأخيرة للأولى مساراً ومصيراً، بفعل إفتعال الحزب لحرب تموز سنة ٢٠٠٦ ومشاركته في حرب غزة في تشرين الأول سنة ٢٠٢٣ وما عقبها من أحداث وتطورات لم تزل جارية حتى يومنا. الأمر الذي أوصل البلد الى أوضاعه الحالية على كافة الصعد.

حتى يصحّ الاستنتاج بأن تعاقب السنية السياسية ومن بعدها الشيعية السياسية على لبنان هما المسؤولان عن كل مآسيه. كما يُسأل، على ذات المرتبة من المسؤولية، المسؤولون المسيحيون الذين غطوا على التوالي هاتين الحقبتين. وبخاصة التغطية الاستراتيجية المحورية، الواقعة تحت عباءة حلف الاقليات، والتي تولّدت بإتفاق مار ميخائيل الذي وقّع في شباط سنة ٢٠٠٦.

وإن كل كلام آخر يقول بوقوع حقبة تحت مسمّى المارونية السياسية ليس إلاّ سرديةً غيرَ صحيحةٍ ومركبةً من خصومها من بقية الطوائف. ذلك أن المسيحيين لم يكونوا يوماً منذ نشأة لبنان الكبير في أيلول سنة ١٩٢٠ مُدَّعين او مُطَالِبين او مُنازِعين بحقوق او صلاحيات دستورية هي محفوظة لسواهم من الطوائف الإسلامية. بل كانوا هم، منذ ذلك الحين، مُطَالَبين بالتنازل عما كانوا يضطلعون به من صلاحيات وضمانات دستورية هي ضامنة لكيانهم ووجودهم وثقافتهم على أرض هذا الكيان، منذ تأسيسه.

فإقتضى بمعرض هذه الذكرى التصويب، لغرض المساهمة في حسن كتابة التاريخ الحديث للبنان.

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها