المصدر: صوت لبنان
كيف تحدّت القهوة المنابر الدينية وصنعت عالمها
منذ اللحظة الأولى التي خرجت فيها القهوة من اليمن إلى العالم، أثارت جدلا لا يقل حرارة عن مذاقها. بين فقهاء مكة ورجال الكنيسة في روما وملوك إنكلترا، كانت القهوة متهمة تارة بأنها “خمر سوداء” وتارة بأنها “شراب الشيطان”. ومع ذلك، تحولت من مشروب محظور إلى رمز عالمي للثقافة والفكر.
القهوة…البدايات الصوفية في اليمن
القهوة، ذلك المشروب الذي يرافق صبحيتنا اليوم، بدأت رحلتها في أجواء بعيدة عن الحياة اليومية. في القرن الخامس عشر، كان المتصوفة في اليمن يبحثون عن وسيلة تساعدهم على السهر وإطالة ساعات الذكر والعبادة. وجدوا ضالتهم في حبوب البن التي جلبت من الهضاب الإثيوبية عبر البحر الأحمر. قاموا بتحميصها وغليها، فخرج شراب أسود مر الطعم، لكنه فعال في طرد النعاس.
من هنا، خرجت القهوة من أروقة الصوفية إلى أسواق اليمن، ثم تسللت شيئا فشيئا إلى الحجاز، حيث مكة والمدينة. ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت فناجينها حاضرة في حلقات الدروس الدينية وفي لقاءات التجار.
مكة 1511 أول حظر رسمي
عام 1511، اجتمع فقهاء مكة بأمر من الوالي خير بيك، الحاكم العثماني للمدينة. السبب؟ انتشار القهوة والمقاهي بشكل لافت، وتحولها إلى ساحات يتجمّع فيها الناس للنقاش وتبادل الأخبار. رأى خير بيك أن هذا المشروب الجديد يهدد النظام العام، وأنه أقرب إلى الخمر في تأثيره، إذ ينشط العقل ويدفع الناس إلى السهر والثرثرة.
صدرت فتوى بتحريم القهوة، وأُغلقت المقاهي. لكن القرار لم يدم طويلا، فقد واجه رفضا شعبيا واسعا، ودافع كثير من العلماء عن القهوة بوصفها شرابا لا يسكر، بل يساعد على الطاعة والعبادة. بضغط الناس والعلماء، تراجع المنع سريعا، لتصبح تلك الحادثة أول مواجهة رسمية بين القهوة والسلطة.
إسطنبول مدرسة الشارع
من مكة، انتقلت القهوة بسرعة إلى إسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية. ومع منتصف القرن السادس عشر، صارت المقاهي أو “القهوة خانة” مؤسسات اجتماعية بامتياز. هناك، كان الحرفيون والتجار والشعراء يجلسون جنبا إلى جنب، يحتسون القهوة، يلعبون الشطرنج والطاولة، ويستمعون إلى القصص الشعبية.
لكن هذا المشهد أثار قلق بعض السلاطين. السلطان مراد الرابع، المعروف بصرامته، رأى أن المقاهي تحولت إلى مراكز للتآمر والانتقاد. فأصدر أوامر بإغلاقها وفرض عقوبات قاسية على من يضبط شاربا للقهوة في العلن. تروي بعض المصادر أنه كان يعاقب المخالفين علنا، في محاولة لردع الناس.
ومع ذلك، لم تنجح هذه السياسة. فالقهوة كانت قد دخلت البيوت وأصبحت جزءا من الحياة اليومية. ورغم محاولات الحظر، ظلت فناجينها تدور في الخفاء، حتى صارت عادة عصية على الكسر.
روما “شراب الشيطان”
مع نهاية القرن السادس عشر، وصلت القهوة إلى إيطاليا عبر تجار البندقية. هناك، اصطدمت أولا بموقف رجال الكنيسة. فقد اعتبر بعض الكهنة أن هذا المشروب، القادم من بلاد المسلمين، هو “شراب الشيطان” ويجب على المسيحيين الابتعاد عنه.
القصة الأشهر تقول إن البابا كليمنت الثامن دعي للفصل في الأمر. طلب أن يتذوق القهوة بنفسه قبل إصدار حكم. وبعد رشفة واحدة، ابتسم قائلا: “هذا الشراب لذيذ إلى درجة لا يمكن أن نتركه للشيطان وحده. فلنعمده” سواء كانت القصة دقيقة أو أسطورة تناقلتها الألسن، إلا أنها عكست حقيقة أعمق، القهوة نجت من الإدانة الكنسية، لتبدأ رحلتها الأوروبية بقوة.
أوروبا تحت سحر القهوة
من البندقية، انتشرت القهوة إلى باريس، ثم لندن وفيينا. سرعان ما صارت المقاهي مراكز للحوار الفكري والسياسي. في باريس، جلس فلاسفة التنوير مثل فولتير وروسو يتناقشون حول السياسة والفلسفة على وقع فناجين القهوة. في لندن، أُطلق على المقاهي اسم “جامعات البنس الواحد” لأن أي شخص يمكنه دفع ثمن فنجان زهيد والانضمام إلى نقاشات حول التجارة والفكر والعلم.
القهوة، بخلاف النبيذ والبيرة، جعلت العقول أكثر يقظة، والنقاشات أكثر حدة. لم يكن غريبا أن تصبح المقاهي منصات ولادة للأفكار الثورية والعلمية على حد سواء.
لندن 1675 محاولة ملكية فاشلة
رغم انتشار المقاهي في إنكلترا، لم يكن الجميع راضيا عنها. الملك تشارلز الثاني رأى فيها تهديدا للسلطة، إذ كانت ساحات مفتوحة لتبادل الأخبار والشائعات وحتى النقد السياسي. فأصدر عام 1675 مرسوما ملكيا يقضي بإغلاق جميع المقاهي، متهما إياها بأنها مراكز “للفتنة ونشر الأكاذيب”.
لكن القرار قوبل باحتجاج شعبي عارم، وسرعان ما اضطر الملك إلى التراجع قبل تنفيذه. هكذا، أثبتت المقاهي مرة أخرى أنها أقوى من قرارات السلطة، وأنها تحولت إلى جزء من الحياة العامة لا يمكن الاستغناء عنه.
من التحريم إلى العولمة
رغم كل محاولات الحظر، انتصرت القهوة في النهاية. في العالم الإسلامي، أصدرت شخصيات دينية بارزة فتاوى تجيز شربها، معتبرة أنها لا تسكر ولا تفسد العقل. وفي أوروبا، لم تلبث أن تحولت إلى مشروب النخب والطبقات الوسطى على السواء.
ومع توسع الاستعمار الأوروبي، انتقلت زراعة القهوة من اليمن إلى جاوة في إندونيسيا، ثم إلى الكاريبي والبرازيل. ومع القرن الثامن عشر، أصبحت القهوة إحدى أهم السلع التجارية في العالم، وتحولت البرازيل إلى المنتج الأول عالميا، وهو موقع ما زالت تحتفظ به حتى اليوم.
فنجان الحرية
القهوة لم تكن مجرد مشروب أسود مر الطعم. كانت رمزا لتحولات اجتماعية وثقافية كبرى. فمن مكة إلى إسطنبول، ومن روما إلى لندن، قاومت كل محاولات المنع، وخرجت منتصرة لتصبح “مشروب الحرية” بامتياز.
اليوم، ونحن نحتسي فناجين القهوة في الصباح أو في جلسات الأصدقاء، نحمل معنا إرثا طويلا من الجدل والمعارك الفكرية. كل رشفة هي تذكير بأن هذا المشروب كان يوما ما مثار خوف وسجال، قبل أن يتحول إلى عادة يومية لا غنى عنها.
القهوة المعاصرة من الجدال إلى العولمة
في عصرنا، تحولت القهوة إلى صناعة ضخمة تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات سنويا. ملايين المزارعين حول العالم يعيشون على زراعتها، وشركات كبرى تنافس على حصتها في السوق. لكن خلف هذا الطابع التجاري، تظل القهوة محتفظة بروحها القديمة، فضاء للحوار.
سواء في مقاهي باريس القديمة أو في فروع أي قهوة عالمية حديثة، تبقى القهوة أكثر من مشروب، إنها مناسبة للقاء، ولتبادل الأفكار، وللاحتفاء بالوقت المشترك.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها