سمير سكاف

الأثنين ٥ كانون الثاني ٢٠٢٦ - 17:20

المصدر: صوت لبنان

كيف سيُحاكم مادورو؟! استفزاز ترامب لقادة أوروبا وانتقاد “ناعم” لروسيا والصين!

 

بسرعة قياسية تخلت رئيسة فنزويلا الجديدة ديلسي رودريغيز عن “صديقها”، الرئيس المعتقل نيكولاس مادورو.

وهي بالتأكيد فهمت الرسالة ب “واقعية”، إثر تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لها، إن لجهة اعتقالها شخصياً أو لجهة متابعة العملية العسكرية.

الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو سيتعرض للمحاكمة في مانهاتن، على طريقة محاكمة رئيس بنما مانويل نورييغا في ميامي في فلوريدا في مطلع التسعينات.

وبالقياس، يمكن معرفة ما سوف يتعرض له مادورو وزوجته.

ولكن ما هو مغاير بعض الشيء في محاكمة مادورو هو محاكمة زوجته سيليا فلوريس معه أيضاً، وسيليا هي محامية بالأساس.

بالتأكيد، إن ملف مادورو هو ملف “نفطي” جيو-سياسي أكثر منه ملف جرائمي، بغض النظر عن ارتكابات مادورو.

فالرئيس ترامب أراد ونجح في وضع اليد على أكبر احتياط للنفط في العالم في فنزويلا. بالإضافة الى أنه يقع على مرمى حجر من الولايات المتحدة الأميركية!

ولكن التهديدات الأميركية طالت ايضاً رئيس كولومبيا غوستافو بيترو، ورئيس كوبا ميغيل دياز كنيل، وحتى رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم.، بالإضافة الى النظام الإيراني…

استفزاز ترامب لقادة أوروبا… وانتقاد ناعم لروسيا والصين!

هناك أيضاً نوايا الرئيس ترامب الأكثر من مبيتة لجزيرة غرينلاند “الدانمركية”، التي لا يمانع بها الرئيس ترامب من استفزاز قادة أوروبا بتكرار مواقفه “الواضحة” تجاهها!

أما الهجوم على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فهو هجوم في الشكل، ينتهي دائماً بلقاء قمة وصداقة، على طريقة قمة ألاسكا، أو بحديث هاتفي يتفقان به على الأساسيات على الأقل.

أما الانتقاد الروسي والصيني لغزو الرئيس ترامب لفنزويلا، فهو مبدئي وشكلي، ومن دون أي فعالية! خاصة مع الحرب في أوكرانيا والمصالح الصينية في تايوان. ومع تفهم الرئيس ترامب للمصالح الروسية والصينية.

لا قلق لترامب في الداخل الأميركي!

يستمر الرئيس ترامب في ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة من دون أي قلق في السياسة الداخلية والحزبية الأميركية. وهو لا يعير انتباهاً أو أهمية لانتقادات ومواقف قادة الحزب الديمقراطي.

أما الناخب الأميركي فيعود بمواقفه الى سعر غالون البنزين وقدرته الشرائية، التي يعده الرئيس ترامب بتحسينها كثيراً! وهو على الأرجح سينجح بذلك، مع الاستثمارات العربية والدولية والضرائب الجمركية التي يفرضها ترامب على الجميع، ومع بيع الأسلحة الذي لم يتوقف، ما يحسن من وضع الخزينة والشركات الأميركية، ويرهق الاقتصادات الأوروبية.

محاكمة نورييغا ووفاته في السجن!

وبالعودة الى محاكمة نورييغا، الذي اعتقل وهو رئيس للجمهورية، وفي ظروف اعتقال مادورو نفسها، نجد التالي:

جرت محاكمة مانويل نورييغا في ثلاث دول مختلفة عبر مراحل زمنية متعددة، وذلك وفقاً للتهم الموجهة إليه في كل بلد:

أ. الولايات المتحدة الأمريكية (ميامي، فلوريدا)

و​كانت هذه هي المحاكمة الأبرز والأولى من نوعها لرئيس دولة أجنبية. وقد كانت فيالمحكمة الفيدرالية في مدينة ميامي بولاية فلوريدا.

وقد بدأت المحاكمة فعلياً في عام 1991 وانتهت بصدور الحكم في أبريل 1992. وقد أُدين نورييغا يومها بتهم الاتجار بالمخدرات والابتزاز وتبييض الأموال، وحُكم عليه بالسجن لمدة 40 عاماً (خُففت لاحقاً).

وبالواقع، تمّ تخفيف الحكم الى 30 عاماً، قضى منها نورييغا فعلياً 17 سنة في السجن.

قضى مانويل نورييغا معظم فترة عقوبته في الولايات المتحدة في سجن فيدرالي بمدينة ميامي، وكانت ظروف سجنه استثنائية جداً نظراً لوضعه القانوني الفريد.

ظروف سجن نورييغا!

نجح محامو نورييغا في انتزاع صفة “أسير حرب” له بموجب اتفاقية جنيف، وهو أمر نادر جداً لشخص يُحاكم بتهم جنائية (مخدرات).

وبفضل هذه الصفة، تمتع بامتيازات لم يحصل عليها أي سجين آخر في ذلك الوقت:

1 – ​زنزانة خاصة (جناح): لم يُسجن مع بقية السجناء، بل وُضع في جناح خاص وُصف بأنه “شقة صغيرة” تحتوي على سرير، مكتب، وجهاز تلفاز، وجهاز راديو.

2 – ​الملابس العسكرية: سُمح له بارتداء زيه العسكري البنمي الرسمي برتبة “جنرال” داخل السجن، ووضع أوسمته العسكرية في المناسبات الرسمية أو أثناء لقاء محاميه.

3 – ​الطعام والاتصال: كان له الحق في الحصول على وجبات طعام خاصة (أحياناً كان يُسمح له بطلب طعام من الخارج)، كما سُمح له بممارسة التمارين الرياضية بشكل منفصل واستخدام الهاتف للاتصال بعائلته في بنما بشكل منتظم.

4 – ​الراتب: بصفته أسير حرب، كان يتقاضى “راتباً” شهرياً رمزياً من الحكومة الأمريكية وفقاً لرتبته العسكرية، تماشياً مع قواعد اتفاقية جنيف.

ب. فرنسا (باريس)

​بعد قضائه فترة العقوبة في أمريكا، تم تسليمه إلى فرنسا لمحاكمته على جرائم مالية. وذلك، في محكمة الجنح في باريس.

​وبالفعل، جرت المحاكمة في عام 2010. وكانت​النتيجة أن حُكم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات بتهمة غسل أموال ناتجة عن تجارة المخدرات عبر البنوك الفرنسية وشراء شقق فاخرة في باريس.

ج. بنما (مدينة بنما)

​في عام 2011، وافقت فرنسا على تسليمه لبلده الأصلي لمواجهة القضاء في محاكم مدينة بنما.

لم تكن هناك محاكمة واحدة كبرى بل سلسلة من الأحكام القضائية التي صدرت بحقه (بعضها كان غيابياً أثناء وجوده في الخارج) تتعلق بجرائم قتل سياسية وانتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة حكمه.

وفي ​النتيجة، أودع نورييغا سجن “إل ريناثير” (El Renacer) في بنما لقضاء أحكام متعددة بالسجن لمدة 20 عاماً لكل منها.

قضى نورييغا بقية حياته في السجن حتى وفاته في عام 2017 عن عمر يناهز 83 عاماً بعد مضاعفات جراحة في الدماغ.

لا شيء يمكنه أن يمنع اليوم محاكمة الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته في الولايات المتحدة. وبالتأكيد سجنهما لفترة طويلة! فالعالم، كالعادة، يحكمه الأقوياء!

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها