المصدر: صوت لبنان
كيف يعاد تشكيل أمن الأمم المتحدة في عصر الأزمات وانهيار نماذج حفظ السلام؟
التمويل الطوعي يغير قواعد اللعبة..
كيف يعاد تشكيل أمن الأمم المتحدة في عصر الأزمات وانهيار نماذج حفظ السلام؟
منذ اللحظة التي تشكلت فيها منظومة حفظ السلام الأممية بعد الحرب الباردة، بنيت فلسفتها على مبدأ بسيط لكنه فعال، الأمن الجماعي مسؤولية مشتركة، والتمويل يجب أن يكون التزاما إلزاميا يعكس قدرة كل دولة على الدفع. لسنوات طويلة عمل هذا النموذج بقدر معقول من الاستقرار، فوفر للبعثات قدرة على التخطيط الطويل وتمويلا لا يخضع لمزاج المانحين. غير أن هذا البناء لم يصمد أمام موجة الأزمات المالية المتلاحقة، إذ بدأت المتأخرات تتراكم، وتقلصت المساهمات، وظهرت توجهات لأكبر الممولين نحو تقليص أو تعليق التمويل، ما دفع الأمم المتحدة إلى التفكير بتقليص كبير في قواتها حول العالم. عند هذه النقطة بدا واضحا أن النموذج التقليدي يقترب من لحظة انهيار.
كيف وصلت ميزانية حفظ السلام إلى حافة الانهيار؟
الأمر لم يعد مجرد خلاف إداري داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة. الأزمة أصبحت سياسية ومالية في آن واحد. القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بدأت تعيد تقييم جدوى تمويل انتشار عسكري طويل الأمد في مناطق تبدو بعيدة عن مصالحها المباشرة مثل قوات اليونيفيل في لبنان. ومع تزايد الشكوك حول فعالية بعض البعثات، دخلت الأمم المتحدة مرحلة من التردد المالي تهدد بإضعاف قدرتها على التدخل في النزاعات. في هذا السياق بدأت المنظمة تبحث عن بدائل أقل اعتمادا على البيروقراطية الثقيلة وأكثر قدرة على التحرك السريع، ما دفع مجموعة من الدول نحو فكرة التمويل الطوعي عبر صناديق ائتمانية متعددة المانحين.
تجربة هايتي
عندما انطلقت القوة الدولية لدعم الشرطة الهايتية عام 2023 بقيادة كينيا، بدا وكأن العالم يشهد تجربة مختلفة تماما عن العمليات التقليدي لحفظ السلام. فقد اعتمد مخططو العملية على صندوق طوعي بدلا من ميزانية الأمم المتحدة المقومة، وهو ما سمح بتدفق أسرع للموارد وتوجيهها مباشرة نحو الاحتياجات الميدانية العاجلة. ومع صدور القرار 2793 في عام 2025، تحولت قوة دعم الشرطة في هايتي إلى قوة قمع للعصابات، بناء على تصاعد نفوذ المجموعات المسلحة التي تسيطر على أحياء واسعة من العاصمة بورت اوبرنس. التجربة في هايتي كشفت الكثير، سرعة في توفير المعدات، مرونة في إعادة توجيه الموارد، وقدرة على سد فجوات كانت تستغرق شهورا في الأنظمة التقليدية. لكنها كشفت أيضا هشاشة التمويل الطوعي، إذ بقيت التعهدات أقل بكثير من المتوقع، وتعرضت البعثة لانتقادات متزايدة بسبب غموض آليات المساءلة.
مكاسب التمويل الطوعي ومخاطره على شرعية الأمن الجماعي
المزايا التي يقدمها التمويل الطوعي لا يمكن إنكارها. فهو يسمح بقرارات سريعة دون المرور بالمفاوضات المطولة في لجان الميزانية، ويتيح للدول المانحة تمويل قدرات محددة بدقة، سواء كانت طائرات مسيرة أو وحدات تحقيق جنائي أو تجهيزات اتصالات متطورة. غير أن هذه السرعة والمرونة تحمل مخاطر واضحة، أبرزها أن يصبح توجيه التمويل انعكاسا لمصالح الدول القادرة على الدفع.
في حالة هايتي، بدا أن منطق الأمن الحدودي والهجرة غير النظامية لدى بعض المانحين يتقدم على احتياجات السكان المحليين. كما أن عدم استدامة التمويل الطوعي يجعل البعثات عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية في الدول المانحة، الأمر الذي يضع عبئا غير متناسب على الدول المساهمة بقوات، خصوصا تلك القادمة من الدول النامية التي تتحمل المخاطر الميدانية الأكبر مقابل عائد سياسي ومالي محدود.
هل تستطيع الأمم المتحدة التكيف مع زمن التحالفات الممولة؟
كل ذلك يدفع الأمم المتحدة نحو التفكير في نموذج هجين جديد، يجمع بين الحد الأدنى من التمويل المقوم الذي يؤمن البنية الأساسية للبعثة ويضمن الطابع الجماعي للقرار، وبين تمويل طوعي يتيح للمانحين دفع الموارد نحو الاحتياجات المتخصصة التي تتطلب سرعة وتكنولوجيا وقدرات متقدمة. هذه الهندسة الجديدة لن تلغي دور مجلس الأمن، لكنها ستغير طبيعة عمله، فتحوله من ممول مباشر إلى جهة تحدد الأطر الأخلاقية والسياسية، بينما تدار الموارد المالية عبر آليات مرنة وشراكات متعددة المستويات. غير أن نجاح هذا التحول مرهون بشفافية كاملة في إدارة الصناديق الطوعية، وبآليات تقييم مستقلة تمنع انحراف البعثات نحو أجندات ضيقة، وببناء علاقة متوازنة مع الدول المضيفة والمجتمعات المحلية بحيث لا يتحول التمويل الطوعي إلى وسيلة لتجاوز إرادة السكان أو فرض ترتيبات أمنية من خارج المجتمع.
في الخلاصة، يكشف التحول نحو التمويل الطوعي أن العالم يقف عند نقطة تحول في مفهوم الأمن الجماعي. فما كان يعد ثابتا في عمل الأمم المتحدة يتفكك تحت ضغط الأزمات المالية والسياسية، وما كان يعتبر استثناء أصبح يمهد لبنية جديدة تمزج بين الشرعية الجماعية ومرونة التحالفات الممولة. تجربة هايتي ليست مجرد محاولة لتطويق العصابات، بل نافذة على مستقبل الأمن الدولي، حيث يصبح السؤال الأكبر ليس عن قدرة الأمم المتحدة على حفظ السلام، بل عن قدرتها على إعادة اختراع نفسها في عالم لم يعد يقبل الحلول البطيئة ولا التمويل غير المضمون.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها