شفيق طاهر

الأثنين ٣ آب ٢٠٢٦ - 10:21

المصدر: المدن

لافي الإسرائيلية وقآن التركية: المقاتلة اختبار للسيادة

ليست المقاتلة الحربية مجرد منظومة قتالية تحلق في الجو، بل اختبار سياسي يكشف مقدار ما تملكه الدولة من استقلال داخل شبكة تحالفاتها. ومن هنا تبدو المقارنة بين المقاتلة الإسرائيلية “لافي” في ثمانينيات القرن الماضي، والمقاتلة التركية “قآن”، شديدة الدلالة. ففي الحالتين، نحن أمام حليف للغرب يمتلك طموحاً صناعياً كبيراً، لكنه يصطدم بسؤال حساس: إلى أي مدى تسمح واشنطن لحليفها بالانتقال من استهلاك السلاح إلى إنتاجه، بما يمنحه هامشاً أوسع من الاستقلال السياسي والعسكري؟

 

“لافي”… طائرة أسقطها الاعتماد

كانت “لافي” مشروعاً إسرائيلياً طموحاً لإنتاج مقاتلة محلية تلبي حاجات سلاح الجو وتقلل الاعتماد على الطائرات الأميركية. ولم يُلغ المشروع بسبب فشل تقني، فقد أنتجت إسرائيل نموذجين طائرين، وبلغت الاختبارات مرحلة متقدمة. لكن البرنامج اصطدم بارتفاع الكلفة، وضيق الموارد، واعتماده الكبير على التمويل والتكنولوجيا الأميركيين.

ووفق تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي، أنفقت إسرائيل بين عامي 1982 و1987 نحو مليار ونصف المليار دولار من أموال المبيعات العسكرية الأجنبية الأميركية على تطوير “لافي”. وحذر المكتب من أن استمرار البرنامج سيستهلك قسماً كبيراً من المساعدات العسكرية السنوية، على حساب احتياجات دفاعية أخرى. وفي 30 آب/أغسطس 1987، قررت الحكومة الإسرائيلية إنهاء المشروع تحت ضغط الكلفة والانقسام الداخلي والحسابات الأميركية.

أرادت إسرائيل مقاتلة وطنية، لكنها بنت مشروعها بأموال أميركية ومكونات مرتبطة بواشنطن. ومع تضخم النفقات، تحولت “لافي” إلى عبء على الموازنة الدفاعية، بينما بدت مقاتلات أميركية مثل “إف-16” بديلاً أقل كلفة.

لم تسقط لافي لأنها عجزت عن الطيران، بل لأنها أصبحت مشروع سيادة يعتمد في بقائه على موافقة الممول الخارجي. وحين تعارض الطموح الصناعي مع شروط التمويل والتحالف، انتصر التحالف.

 

تركيا توسع دائرة الرهان

تعلمت تركيا من هذه التجربة، فاختارت ألا تراهن على طائرة واحدة. جاء برنامج “قآن” بعد سنوات من الاحتكاك بقيود الاعتماد على الغرب، وخصوصاً بعد إخراج أنقرة من برنامج “إف-35” بسبب شرائها منظومة “إس-400” الروسية. ومنذ ذلك الحين، باتت تركيا تنظر إلى “قآن” باعتبارها مشروع سيادة، لا مجرد برنامج تسليح.

فامتلاك مقاتلة متقدمة يقلل قدرة الحلفاء على استخدام الصيانة وقطع الغيار وتراخيص التسليح والتصدير أدوات للضغط السياسي. وإلى جانب “قآن”، تطور تركيا طائرة التدريب والقتال الخفيف حرجيت، والمسيّرة الشبحية “أنكا-3″، والطائرة القتالية النفاثة غير المأهولة “بيرقدار قزل إلما”.

حققت “قآن” رحلتها الأولى في 21 شباط/فبراير 2024، وبقيت في الجو 13 دقيقة، ثم نفذت رحلة ثانية في 6 أيار/مايو من العام نفسه استمرت 14 دقيقة. ويستهدف المشروع امتلاك خصائص الجيل الخامس، ومنها خفض البصمة الرادارية، وحجرات السلاح الداخلية، ودمج بيانات المستشعرات.

وسجل البرنامج تحولاً إضافياً في أيار/مايو 2026، عندما تعاقدت القوات الجوية التركية على دفعة أولى من 20 مقاتلة “قآن بلوك 10”. وبذلك انتقل المشروع من اختبار نموذج أولي إلى تأسيس قاعدة إنتاج وطلب محلية تضمن استمراره.

 

المحرك يرسم حدود الاستقلال

مع ذلك، لم تتحرر قآن من المعضلة التي واجهت لافي. فالنماذج الحالية تعتمد على محركات “إف-110” الأميركية من إنتاج جنرال إلكتريك، ما يبقي البرنامج مرتبطاً بقرار واشنطن.

وفي حزيران/يونيو 2026، أخطرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس بعزمها بيع تركيا محركات تتجاوز قيمتها 700 مليون دولار. وفي 10 تموز/يوليو المنصرم، انتهت مهلة المراجعة من دون منع الصفقة، ما أتاح المضي فيها. تمنح المحركات الأميركية المشروع دفعة ضرورية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن واشنطن ما زالت قادرة على التأثير في وتيرته.

تحاول أنقرة تجاوز هذه الثغرة بتطوير محرك “تي إف-35000” المحلي، لكنه ما زال في طور التطوير. كما وقعت إندونيسيا في تموز/يوليو 2025 عقداً لشراء 48 مقاتلة “قآن”، لتصبح أول زبون خارجي للطائرة. وتمنح الصفقة البرنامج ثقلاً مالياً وسياسياً، وتجعل عزله أو إلغاءه أكثر صعوبة.

تكشف المقارنة أن السيادة الصناعية ليست كاملة أو معدومة، بل درجات تراكمها الدول بامتلاك التكنولوجيا والخبرات. ومع ذلك، لا تتحقق السيادة بكتابة اسم الدولة على هيكل الطائرة، بل بامتلاك محركها وبرمجياتها ورادارها وذخائرها وسلاسل توريدها وقرار تصديرها. فمن لا يملك قلب المقاتلة وقرارها، قد يملك الطائرة، لكنه لا يملك السماء كاملة.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها