المصدر: Independent عربية
ماذا حققت جبهات إسناد غزة لـ”ح*ب الله” ولبنان؟
يتساءل كثر اليوم ومن بعد الضربات القاسية التي تلقاها “حزب الله” عبر الاستهدافات والاغتيالات ومروراً بالدمار الهائل الذي لحق بالضاحية الجنوبية والتدمير الممنهج للقرى الجنوبية والبقاعية، هل يستطيع الحزب أن يتعافى مستقبلاً، أم أن هذه الجولة قد تكون “قاضية”؟
بعد بدء عمليات التوغل في الداخل اللبناني من قبل الجيش الإسرائيلي التي شهدت في الأيام القليلة الماضية معارك مباشرة وعند النقطة الصفر بين القوات الإسرائيلية ومقاتلين من “حزب الله“، أصبح النقاش حول جبهات الإسناد التي افتتحها الأمين العام للحزب الراحل حسن نصرالله منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وفعالية ما قدمت من دعم لغزة، وبخاصة أن الحكومة الإسرائيلية مضت بقرارها اجتياح الجنوب مرة جديدة، وسط تساؤلات حول المدى الجغرافي الذي يمكن أن يصل إليه هذا الاجتياح.
ونقل عن مصدر دبلوماسي قوله إن التهديد بالحصار العسكري والتوغل البري يشيران إلى أن تل أبيب تفكر بخيارات أكثر عدوانية لكسر قدرة “حزب الله”، وقد يكون الحصار محاولة لعزل لبنان عن دعم خارجي والتوغل البري سيهدف إلى السيطرة على مواقع استراتيجية أو تدمير بنى تحتية مهمة تابعة للحزب. وفي السياق كان عبر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل عن أسفه لعدم وجود أي قوة، بما في ذلك الولايات المتحدة، قادرة على وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حربه على غزة ولبنان.
وعلى رغم أن جبهة الإسناد من جنوب لبنان لا تواجه حتى هذه اللحظة الظروف القاسية نفسها التي تعانيها غزة، فإن هناك تحديات متزايدة قد تجعلها في موقف مشابه إذا استمرت إسرائيل في استراتيجيات الاستنزاف والضربات الاستباقية. وقد يمتلك “حزب الله” والفصائل الأخرى في المنطقة أدوات ردع نوعية، لكن الضغط العسكري والاقتصادي المتزايد قد يؤدي إلى سيناريو مشابه لسيناريو غزة، في حال فشلوا في التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية.
ذلك أن جبهات الإسناد مثل “حزب الله” وبعض الفصائل في سوريا والعراق واليمن مرتبطة بصورة أو بأخرى بمظلة إقليمية أوسع أي إيران، وتعتمد على توازن الردع من خلال امتلاك أسلحة نوعية مثل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة، ومع ذلك تواجه هذه الجبهات خطراً، إذ هناك خطوات عسكرية إسرائيلية تهدف إلى تدمير تلك القدرات، إذ عملت تل أبيب ومنذ بدء الحرب على ضرب القدرات النوعية التابعة للحزب إياه في لبنان وسوريا وقطع طرق الإمداد، عدا عن الضربات التي تنفذها في الداخل السوري عبر استهداف مواقع ومراكز تابعة للحرس الثوري، وتحديداً جنوب البلاد، وفي العاصمة دمشق ومحيطها، في إطار زيادة الضغط على إيران والفصائل التابعة لها وتطويقها، إذ تواردت معلومات أن هناك خطة إسرائيلية لفصل الجنوب السوري عن اللبناني، في عملية تهدف إلى التضييق وحصار “حزب الله”. وإذا اندلعت مواجهة شاملة في المنطقة بين إسرائيل و”حزب الله” أو الفصائل المدعومة من إيران، فإن هذه الجبهات ستواجه ضغطاً عسكرياً كبيراً، وبخاصة إذا عمد الجيش الإسرائيلي إلى تدمير الترسانة الصاروخية والمواقع العسكرية لهذه الجبهات، مما قد يؤدي إلى دمار واسع النطاق، شبيه بما حصل في غزة.
يحدث كل هذا وسط تساؤلات رفعها محللون حول جدوى جبهة الإسناد التي فتحت منذ عام، ويقولون “لا إسرائيل ضعفت أو توقفت عن حربها في غزة ولا الحركة انتصرت على الجيش الإسرائيلي في القطاع، فيما لبنان اليوم يعيش حرباً مباشرة وقوية”.
هل ينتهي دور “حزب الله” الردعي؟
بعد تأكيد كثر فشل جبهات الإسناد بصورة عامة بتقديم الدعم لغزة، يطرح السؤال: هل ينتهي دور “حزب الله” الردعي، إذ لم ترتدع إسرائيل وشنت حرباً على لبنان واغتالت ثلة من قياديي الحزب وصولاً إلى الرأس؟
يعتمد “حزب الله” في استراتيجيته على مبدأ الردع المتبادل مع إسرائيل، الردع هنا قائم على امتلاك القدرة العسكرية التي تجعل الخصم يتردد في شن هجوم، خوفاً من الخسائر الكبيرة. وخلال الحروب السابقة، كان “حزب الله” يمتلك قدرات قتالية ميدانية فاعلة، خصوصاً في حرب يوليو (تموز) 2006، إذ استخدم تكتيكات عسكرية وأسلحة أثبتت فعاليتها في صد الهجوم الإسرائيلي، حتى وإن كان الثمن باهظاً على مستوى البنية التحتية في لبنان. ولكن يتساءل كثر اليوم ومن بعد الضربات القاسية التي تلقاها الحزب عبر الاستهدافات والاغتيالات التي طاولت نخبة قادته وصولاً إلى اغتيال رأس التنظيم نصرالله، ومروراً بالدمار الهائل الذي لحق بالضاحية الجنوبية معقل الحزب، والتدمير الممنهج للقرى الجنوبية والبقاعية التي تضم على معظمها بيئة الحزب الحاضنة، هل سيكون بإمكان الحزب أن يتعافى مستقبلاً، أم أن الحرب الراهنة ستكون ضربة قاضية؟
على الصعيد الميداني أعلن “حزب الله” عن تدمير ثلاث دبابات ميركافا بصواريخ موجهة، أثناء تقدمها إلى بلدة مارون الراس الملاصقة للحدود، بعد إعلان إسرائيل عن بدء التوغل البري، وأن مقاتليه تصدوا لمحاولة تقدم قوات إسرائيلية عند نقطة حدودية، غداة معارك قتل فيها ثمانية من الجنود الإسرائيليين عند عبورهم الحدود لاستهداف مواقع للحزب. مقتل الجنود الإسرائيليين كان أكده بيان للجيش الإسرائيلي، كاشفاً عن أن القتلى والجرحى سقطوا في ثلاث وقائع مختلفة، وهم من وحدة “إيغوز” بالقوات الخاصة ومن لواء “غولاني” أحد ألوية النخبة في الجيش.
هل يتعافى “حزب الله”؟
يقول الباحث المتخصص في العلاقات الدولية محمد عبادي في حديث مع “اندبندنت عربية”، “إن هناك أمراً لم يشر إليه الإعلام وهو أن إسرائيل تتعامل مع الجبهة الشمالية (حدودها مع لبنان) على أنها التهديد الرئيس لها، وفي كل سنة هيئة الأركان تقوم بتدريبات ومحاكاة لهجومات أو دفاع من الجبهة الشمالية، وفي الفترة الأخيرة لم تكن تعتقد أن جبهتها الجنوبية في غزة وأن الحركة وغيرها من الفصائل، بسبب الإشارات التي كانت تصل إليها من داخل شبكات التنصت، غير معنيين بالحرب، من هنا كان كل التركيز على الشمال. لذلك فإن المناورات في ما خص الجبهة الشمالية كان تتضمن بنك أهداف محدثاً وبصورة دورية للقيادات في الحزب ومراكز القيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة من صواريخ وطرق تهريب الأسلحة وغيرها، عدا عن أن شبكة الجواسيس والمخبرين كانت تمدهم بالمعلومات من داخل لبنان. الأمر الثاني والمهم جداً وهو المتعلق بأن قدرات الحركة تفوق قدرات الحزب فهذا غير صحيح، إذ كان الأمين العام للحزب الراحل يتحدث عن أن لديه 100 ألف مقاتل و250 ألف صاروخ والأنفاق والمسيرات الهدهد التي كانت تصور الجغرافيا الإسرائيلية. كل هذه الإمكانات غير متوافرة لدى نظيرته الفلسطينية على الإطلاق، فضلاً عن الطريق البري المفتوح مع إيران، والعراق مروراً بسوريا ووصولاً إلى لبنان، مما يعني أن الحزب كانت تصله إمدادات هائلة من الأسلحة”.
في المقابل يقول الكاتب والمحلل السياسي حسن الدر لـ”اندبندنت عربية” إن “هذه هي معركة لبنان، وإن هذه “المقاومة” أسسها الإمام موسى الصدر قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ومن وصايا الإمام الصدر أن تتم مقاتلة إسرائيل بشراسة، واليوم إسرائيل تدوس في أرضنا وتعتدي على بلدنا وعلى قرانا ومدننا، وتقتل مدنيين، وسنقاتلها إلى آخر طفل وشاب في هذا البلد، ولن نتخلى عن سلاحنا ولن نتنازل ولن نتراجع”.
سقوط شعار “الردع”
كثيراً ما رفع “حزب الله” شعار أن سلاحه لردع إسرائيل، واعتبر أن ذلك السلاح “مقدس” ومن يمد يده للسلاح “ستقطع يده”. ولكن اليوم وبعد الغارات الإسرائيلية التي سوت بعض قرى الجنوب بالأرض، والدمار الذي لف كل المناطق اللبنانية، والتهجير الذي طاول حتى الساعة أكثر من مليون و200 ألف لبناني، وأعداد القتلى تجاوزت الـ2000 قتيل، فهل يمكن الحديث عن ردع؟ وإذا كان لبنان كله تحت وابل الغارات الإسرائيلية، فهل يمكن الحديث عن جبهة إسناد لغزة، أو أن لبنان أصبح في حاجة إلى جبهات إسناد؟
كثيراً ما روج “حزب الله” لسردية امتلاكه أسلحة نوعية يمكنها تغيير موازين القوى في أي مواجهة مستقبلية مع إسرائيل، مثل الصواريخ الدقيقة والمضادة للسفن، والطائرات من دون طيار، فماذا عن هذه الأسلحة النوعية التي يمتلكها وأين هي اليوم؟
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها