المصدر: independent عربية
ماذا نعرف عن زوارق “كورساير” الانتحارية الأميركية؟
تحويل الطائرات والزوارق إلى قنابل موقوتة لم يكن نهجاً حربياً معتمداً لدى الولايات المتحدة قبل حرب إيران. لكن أعواماً وعقوداً من اعتماد البنتاغون على أسلحة الدفاع المصممة بواسطة الذكاء الاصطناعي بعد الحرب الباردة وتحديداً منذ عام 1993، قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب. فالبنتاغون ذاهب اليوم من دون تردد باتجاه تبني وجهة نظر شركات “وادي السيليكون”، التي تشدد على إدراج أسلحة أقل كلفة وغير مأهولة بشرياً في حروب أميركا الحديثة. وضمن هذا السياق رأينا في بداية حرب إيران استخدام أميركا لطائرات “لوكاس” المسيرة، وشهدنا حديثاً وقبل أسابيع قليلة إدراج سلاح آخر من الفئة ذاتها في أتون الصراع وهو سلاح زوارق “كورساير” الانتحارية.
أخيراً، نشرت القوات الأميركية مقطع فيديو يظهر ثلاثة زوارق مسيرة هجومية أحادية الاتجاه تنفجر بعد اقترابها من غواصة إيرانية صغيرة ومنشأة لصيانة السفن في قاعدة “بندر عباس” البحرية الإيرانية، ليل الـ12 من يوليو (تموز) الجاري. ووصفت القيادة المركزية الأميركية، وهي القيادة القتالية العسكرية المسؤولة عن عمليات الشرق الأوسط، هذه الضربات في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بأنها “المرة الأولى التي تستخدم فيها القوات الأميركية زوارق مسيرة بحرية في عمليات قتالية”.
نهج عسكري
ويعد استخدام أميركا لزوارق انتحارية استمراراً لنهج عسكري سابق ضمن حرب إيران تحديداً، وهو إعادة استخدام أفكار الخصم بعد تطويرها، إذ يأتي استعمال هذا السلاح على غرار ما حدث في الضربات الأولى لهجوم الولايات المتحدة على إيران، حين كشفت أميركا بهدوء عن نظامها الهجومي القتالي منخفض الكلفة من دون طيار (لوكاس)، وهو طائرة هجومية أحادية الاتجاه مصممة على غرار التكنولوجيا التي تطورها إيران منذ ثمانينيات القرن الماضي. وضمن السياق نفسه أتى هذا الاستخدام غير المسبوق للزوارق البحرية المسيرة الانتحارية من قبل الولايات المتحدة، “بعد نحو عقد من الزمن على أول عرض تجريبي لهذه الأسلحة من قبل القوات الإيرانية والحوثية”. ووفقاً لـ”يو أس أن آي نيوز”، وهي خدمة إخبارية تابعة للمعهد البحري الأميركي غير الربحي، تمكنت الزوارق المسيرة الأميركية من “الاقتراب بسرعة منخفضة ومن دون مقاومة” من أهدافها قبل انفجارها. وحددت “يو أس أن آي نيوز” أحد الأهداف على أنه غواصة إيرانية صغيرة من طراز “غدير” كانت خارج الماء معلقة على رافعة.
لذلك، فإن السؤال عن مدى فعالية وخلفيات استخدام هذا السلاح وملابسات “إقحامه” في القتال في مثل هذا التوقيت يظل مفتوحاً على مصراعيه، ويقودنا باتجاه معرفة مزيد من المعلومات عن الشركة الأميركية الخاصة التي “زجت” به في أتون هذا الصراع.
ولا يعبر هذا النوع من الأسلحة الانتحارية عن عقيدة الدول المتقدمة حربياً وعسكرياً، فمعظم الدول المتطورة لم تجعل من قبل التكنولوجيا والتقنيات وسيلة للقتل والتدمير في الحروب. وعلى رغم ذلك وللمرة الأولى في تاريخها استخدمت القوات الأميركية زوارق مسيرة محملة بالمتفجرات ضد دولة تعد أضعف منها عسكرياً بكثير، مما يعني أن السلاح إما أن يكون استخدم كعامل مباغتة ضمن الحرب النفسية، أو أنه يأتي نتيجة لما يُشاع حول دور مشبوه لشركات الدفاع الأميركية في “وادي السيليكون”، التي تريد تحويل حروب أميركا إلى معارك غير إنسانية، لتصبح خلال العقود المقبلة معتمدة بالكامل على قدرات الذكاء الاصطناعي.
فما الذي نعرفه حتى الآن عن زوارق “كورساير” الانتحارية الأميركية وشركة “سارونيك تكنولوجيز” المصنعة لها، وعن الحكمة الحربية وراء استخدام هذا السلاح للمرة الأولى في المعركة؟
مواصفات عامة
يبلغ طول زورق “كورساير” الانتحاري 24 قدماً، وهو قادر على حمل ما يصل إلى 1000 رطل متفجرات لمسافة 1000 ميل بحري، وبسرعة قصوى تتجاوز 34 عقدة. وهو قادر على العمل بصورة مستقلة من دون تحكم بشري مباشر، بما في ذلك الملاحة بعيدة المدى ومهام الدوريات، ووفقاً لمدونة “سارونيك” يفترض أن زوارق “كورسير” المسيرة قادرة إضافة إلى ذلك على “تنظيم استهلاك الطاقة واستخدام المحرك للتمركز في موقع محدد”، إذ صممت هذه الزوارق لأداء مجموعة واسعة من المهام، ومن المرجح أنها كانت مجهزة بمتفجرات لهذه الضربة تحديداً.
في هذا السياق، كتب الصحافي جيريمي هسو مقالة نشرت على موقع علمي أميركي بارز خلال الـ14 من يوليو الجاري، بعنوان يشجع هذه السياسة الحربية الجديدة لبلاده هو “لا يهم الطوربيدات، فلنتقدم بأقصى سرعة!”. وقال جيرمي “أرسل الجيش الأميركي زوارق مسيرة مفخخة إلى ساحة المعركة للمرة الأولى، إذ شنت زوارق مسيرة تابعة له هجوماً على ميناء بحري إيراني مع تصاعد حدة الحرب مجدداً”. وأضاف “للمرة الأولى في تاريخها، استخدمت القوات الأميركية زوارق مسيرة محملة بالمتفجرات في هجوم على غواصة إيرانية صغيرة وميناء بحري. ويأتي هذا الاستخدام غير المسبوق لهذه الزوارق المسيرة الانتحارية من قبل الولايات المتحدة، بعد نحو عقد من الزمن على أول عرض تجريبي لهذه الأسلحة من قبل القوات الإيرانية والحوثية”.
ينتمي سلاح زوارق “كورساير” إلى فئة السفن السطحية غير المأهولة. ويعد استخدام الولايات المتحدة لهذه الزوارق التي باتت تُعرف باسم “طائرات كاميكازي الأميركية من دون طيار” في القتال للمرة الأولى أمام إيران أمراً متوقعاً، إذ جاء ذلك بعدما كانت هذه الزوارق مفتاحاً لسيطرة أوكرانيا على أسطول البحر الأسود في شبه جزيرة القرم، وبعدما نجح الزورق في مهمة إنقاذ بحارة أميركيين في حرب إيران.
أما الشركة المطورة لهذا السلاح فهي “سارونيك تكنولوجيز”، وهي شركة دفاعية أميركية ناشئة متخصصة في السفن السطحية الذاتية القيادة. وتعد واحدة من أسرع الشركات نمواً في قطاع الدفاع البحري، ويُشار إليها اليوم في الإعلام الدفاعي الأميركي بأنها “آندوريل أوف ذا سي”. وأما سبب هذه التسمية فهو عائد إلى كون “آندوريل” تعد أكبر شركة دفاعية أميركية تركز على الأنظمة غير المأهولة الجوية والبرية والحدودية، فيما “سارونيك” شركة دفاعية أميركية تركز على السفن السطحية الذاتية القيادة. فإذا كانت “آندوريل” تعمل وتهيمن في الجو والبر والحدود، فإن “سارونيك” تعمل فقط في البحر.
لماذا “سارونيك”؟
لم يكن اختيار البنتاغون لأحد منتجات هذه الشركة عبثياً. إذ تأسست الشركة حديثاً عام 2022، وكان المقر الرئيس لها هو أوستن تكساس داخل الولايات المتحدة، أما مؤسسها فهو الضابط السابق في القوات الخاصة البحرية الأميركية دينو مافروكاس، الذي تعاون بدوره مع مجموعة من خبراء التكنولوجيا لتطوير الشركة. لذلك، تخصصت الشركة في تطوير أسطول من السفن السطحية غير المأهولة بشرياً، ويعتمد ذلك على برمجيات متقدمة وذكاء اصطناعي متكامل، خصوصاً في تشغيل منصة قيادة وتحكم موحدة تسمى “إيشلون”.
وفق موسوعات علمية أوروبية، فإنه ضمن مجالات العمل والمنتجات إلى جانب “كورساير” ذاتية القيادة المخصصة للمهام الهجومية والإلكترونية، تحوي ترسانة “سارونيك” على “ميراج”، وهي منصة متعددة المهام، و”مارودر” وهي سفينة ذاتية القيادة بطول 180 قدماً مخصصة للمهام الطويلة المدى بسرعة تتجاوز 25 عقدة ومدى يصل إلى 5400 ميل بحري، إلى جانب “كتلاس سباي غلاس سايفر” وهي منصات إضافية ضمن أسطول الشركة، وهناك أيضاً “إيشلون ميشن بلاتفورم” وهي طبقة القيادة والتحكم الموحدة لهذا لأسطول الضخم.
النمو والتمويل
تعبر المسيرة المالية المختصرة لشركة الزوارق الانتحارية الأميركية “سارونيك” عن مفارقة نجاح شركات التقنيات الدفاعية الأميركية الناشئة في أخذ حصة الأسد من موازنة أسلحة الدفاع الأميركية حديثاً، إذ قفزت إيرادات “سارونيك” من 12 مليون دولار عام 2024 إلى 200 مليون عام 2025. ووفق المصادر المذكورة سابقاً، فقد كان هناك عقد إنتاج من البحرية الأميركية بقيمة 392 مليون دولار لمنصة “كورساير” في فبراير (شباط) الماضي، وبذلك جمعت الشركة أكثر من 830 مليون دولار خلال أربعة أعوام، كما أن لها عقود تمويل بقيمة 51 مليار دولار العام الحالي. وقد استحوذت الشركة حديثاً على “غلف كرافت شيب يارد” في لويزيانا بمساحة 520 فداناً لتصنيع الهياكل البحرية، وتعمل على إنشاء “بورت ألفا” وهو مشروع ضخم بقيمة 23 مليار دولار، ليكون حوض بناء السفن المستقبلي لها على مساحة 4000 فدان قرب منشأة “سبيس أكس” الفضائية التابعة لإيلون ماسك في تكساس.
وفي دورها الدفاعي المثير للجدل لدى بعض الأوساط العلمية، تركز الشركة على فكرة “تحديث الحرب البحرية عبر أسطول غير مأهول منخفض الكلفة”. وبذلك، فإن الشركة تعد من أكبر الداعمين لتوجه البنتاغون نحو الأسطول الهجين، إذ “توفر حلولاً بحرية ذاتية القيادة لمهام الاستطلاع والحرب الإلكترونية وإنقاذ الدوريات والهجوم منخفض الكلفة”. وعلى رغم ذلك لا بد من الإشارة إلى أن “سارونيك” شركة دفاعية أميركية، لكنها لا تقع ضمن نطاق “وادي السيليكون”، ولا تصنف ضمن شركاته، فمقرها الرئيس كما ذكرنا داخل أوستن تكساس، لذلك لا يمكن القول إن زوارق “كورساير” من أسلحة “وادي السيليكون”.
يظن بعض المراقبين أن “سارونيك” من شركات “وادي السيليكون” لأنها تشبه شركاته في السرعة والنمو والاعتماد على الذكاء الاصطناعي وجذب استثمارات ضخمة من شركات يطلق عليها “شركات رأس المال الأميركي الجريء”. ويذكر أن مصطلح شركات “وادي السيليكون” المتخصصة في أسلحة ومنتجات الدفاع هو لقب يُطلق حديثاً على تكتل تقني حربي متخصص في أسلحة الذكاء الاصطناعي، وتعود قيادته لمجموعة من الشركات التي تحولت نحو الصناعات الدفاعية بواسطة الذكاء الاصطناعي خلال العقود التي تلت الحرب الباردة بعد عام 1993.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر ومواقع علمية عديدة أنه في غضون عقدين من الزمن تقلصت قاعدة الصناعات الدفاعية الأميركية من عشرات الشركات إلى ما يُعرف اليوم بالخمسة الكبار في مجال أسلحة الدفاع، وهي “لوكهيد مارتن”، وRTX (رايثيون سابقاً)، و”جنرال دايناميكس”، و”بوينغ”، و”نورثروب غرومان”، إذ استحوذت هذه الشركات الخمس مجتمعة على نحو ثلث موازنة وزارة الحرب السنوية من العقود.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها