المصدر: صوت لبنان
مرتكزات العدالة في ملف تفجير مرفأ بيروت
إن مرتكزات العدالة في ملف تفجير مرفأ بيروت تقوم على التالي :
١- المحقّق العدلي لا يخضع لقواعد الردّ ونقل الدعوى من تحت يده التي يخضع لها المحقق القضائي، إستناداً الى قانون أصول المحاكمات الجزائية معطوفاً على قانون أصول المحاكمات المدنية. ذلك أن المجلس العدلي ومن ضمنه المحقّق العدلي يخضع لنظام قانوني (régime juridique) مستقل عن قضاة المحاكم العدلية الجنائية (محكمة الجنايات او محكمة التمييز). إذ هو يستمدّ مشروعيته من طريقة تأليفه وغاية نشأته وطبيعة الجرائم التي تحال اليه.
بحيث تُردّ كل المراجعات التي قدمت من المشتبه بهم او المدعى عليهم امام المحاكم العدلية والتي رمت الى ردّ المحقّق العدلي او نقل الدعوى العامة من تحت يده، في غرفة المذاكرة، شكلاً.
بحيث جاء قرار محكمة التمييز الجزائية بتنحية او بنقل الدعوى من تحت يد المحقّق العدلي فادي صوان مخالفاً للقانون في الشكل قبل الاساس.
يبقى أنه يعود للمدعى عليهم طلب ردّ المحقّق العدلي او نقل الدعوى من تحت يده امام المرجع الذي عينه، وفق حكم المادة ٣٦٠ أ.م.ج.، إذ يعود له وحده حق الفصل بهاتين المراجعتين. عنينا وزير العدل بالتوافق مع مجلس القضاء الاعلى.
٢- كما لا يخضع المحقّق العدلي لدعوى مخاصمة الدولة عن أعمال قضاتها أثناء سير التحقيقات وحتى ختامها وصدور القرار الاتهامي فيها. ذلك أن إجتهاد الهيئة العامة لمحكمة التمييز على مدى عقود، وخلافاً لنص المادة ٧٤١ أ.م.م. وما يليها، قد أخذ بقاعدة عدم إمكانية مخاصمة الدولة عن أعمال قضاتها الاّ إستناداً الى قرارات نهائية مبرمة لم تعد تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية. بحيث أن مخاصمة المحقّق العدلي لا تصحّ الاّ إستناداً الى قراره الاتهامي النهائي. وتكون بذلك كل دعاوى المخاصمة التي قدمت ضده خلال إجراءات التحقيق مستوجبة الردّ من قبل الهيئة العامة لمحكمة التمييز، في غرفة المذاكرة، شكلاً.
٣- المحقّق العدلي لا يتوقف عند الحصانات التي يتمتّع بها الوزراء والنواب والقضاة والأمنيون والاداريون والمهنيون وسواهم. ذلك أن قرار عدم رفع الحصانة الصادر عن المرجع المختص بالنظر فيها لا يقيّد المحقّق العدلي في ملاحقته المشتبه به والتحقيق معه والادعاء عليه وتوقيفه عند الاقتضاء. على إعتبار أن الحصانة هي تدبير مؤقت إحترازي يهدف الى تقييم الفعل الجرمي المنسوب الى الفرد الذي يتمتع بها، لجهة الفصل بملاءمة ملاحقته من عدمها. بحيث لا يؤثر هذا الرأي التقييمي (avis appréciatif) وليس الالزامي (non impératif) على مجرى الدعوى العامة. إذ هي، أي الحصانة، لا تشكل سبباً قانونياً لاسقاطها او عائقاً دون الملاحقة بموضوعها. ذلك أنه ليس من بين الأسباب القانونية التي تسقط الدعوى العامة، والمنصوص عنها بالمادة ١٠ أ.م.ج. حالة التمتع بالحصانة. فلا مجال بالتالي لترتيب هذا السقوط بدون نص قانوني يُجيزه.
٤- الدعوى العامة المحالة على المحقّق العدلي للتحقيق فيها لا تقبل التجزئة. بمعنى أن تُحال كل فئة من المدعى عليهم الى المحكمة الخاصة بفئتهم كي يُحاكموا امامها. كما الوزراء امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، كما القضاة امام الهيئة القضائية الخاصة بملاحقتهم عن أفعالهم الجنائية، كما العسكريين امام القضاء العسكري الخاص بملاحقتهم جنائياً. ذلك أن ولاية المحقّق العدلي بموضوع الجرائم التي عيّن للتحقيق فيها هي ذات طابع موضوعي، سنداً للمادة ٣٦٢ أ.م.ج.، وشمولي، تتناول المدنيين على إختلاف فئاتهم ومناصبهم، كذلك العسكريين على إختلاف فئاتهم ومناصبهم ورتبهم، عملاً بنص المادة ٣٥٦ أ.م.ج. فضلاً عن أن رؤساء الوزراء والوزراء يحاكمون امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء عن مسؤوليتهم الوظيفية حصراً، عملاً بالمادة ٧٠ من الدستور، ولا يحاكمون أمامه عن مسؤوليتهم الجنائية، كما هو الحال تحديداً بالنسبة لرئيس الجمهورية، سنداً لنص المادة ٦٠ من الدستور.
٥- اما التوجهات القضائية الحديثة التي صدرت خلال مراحل التحقيق بملف تفجير مرفأ بيروت، خلافاً للمرتكزات القانونية التي تمّ تفصيلها أعلاه، إنما هدفت من جهة، الى تقييد عمل المحقّق العدلي وإخضاعه لنظام رقابي عدلي بمعرض ممارسته لمهامه، وكأنه محقّقاً قضائيّاً. كما هدفت من جهة أخرى، الى مراعاة وضعية المسؤولين الكبار في المنظومة الحاكمة الذين يشتبه بمسؤوليتهم الجنائية التقصيرية عن الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت.
٦- اما عدم تقيّد المحقّق العدلي بهذه المرتكزات مجتمعة، فمن شأنه أن تعيقه في إصدار قراره الاتهامي او أن يأتيَ إصداره له منقوصاً وغير مراعٍ لقواعد العدالة المنشودة وآيلاً الى نتيجة مخيّبة لطالبيها.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها