المصدر: صوت لبنان
مسار العلاقات السورية اللبنانية (من الوصاية الى استعادة السيادة)
شهدت العلاقات السورية اللبنانية على مر التاريخ علاقات معقدة امتزجت فيها التدخلات السياسية والامنية من جهة، بالاضافة الى الروابط الاسرية والترابط الجغرافي من جهة أخرى، حيث شكل الاحتلال السوري العسكري زمن الوصاية على لبنان منذ الحرب الاهلية اللبنانية لغاية 2005 العام الذي اغتيل فيه رئيس الحكومة اللبناني الاسبق رفيق الحريري والذي أسفر عن دحر الجيش السوري نتيجة المظاهرات التي عمت البلاد، ولكن ما لبث ان القت الحرب السورية 2010 اوزارها على لبنان من خلال اللاجئين الهاربين من بطش نظام الأسد، بالاضافة الى تورط حزب الله في الحرب السورية والانغماس في بحر من الدماء، كل ذلك جعل العلاقة بين البلدين متوترة وغير متزنة.
ولكن بعد سقوط نظام بشار الاسد البائد أواخر 2024 وبداية 2025، دخلت العلاقة بين سوريا ولبنان مرحلة جديدة من إعادة البناء والتأسيس، نتيجة التغيرات السياسية والتطورات الأمنية في دمشق، وأيضاً المرحلة الجديدة في لبنان بإنتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية والقاضي نواف سلام رئيساً للحكومة، مما أستوجب حصول تحولاً جذرياً في العلاقات نتيجة هذه المتغيرات والتحولات الاقليمية والدولية، وأسفر عن زيارات رسمية متبادلة بين البلدين لإعادة فتح مسار من العلاقات الجديدة قائمة على الاحترام المتبادل لسيادة الدولتين، والتعاون المشترك في العديد من الملفات، أبرزها: ضبط الحدود وترسيمها، اعادة الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، التعاون الامني والاقتصادي.
تبرز ملامح مسار التغير من تشكيل القيادة السورية الجديدة بعد الاطاحة بنظام بشار الاسد الظالم في 8/12/2024 ، والتي اعتبرت إحدى أبرز العوامل المحركة في احداث تحولاً في السياسة السورية على الصعيد الداخلي والخارجي، مما انعكس على فتح قنوات تواصل جديدة لاعادة ترتيب العلاقات مع الدول المجاورة والقوى الاقليمية والدولية على حد سواء.
أضف لذلك، المتغيرات في الاوساط اللبنانية بعد الحرب الاسرائيلية الاخيرة، عبر انتخاب رئيس جديد للجمهورية ورئيس حكومة اللذان اتفقا على حصرية السلاح بيد الدولة واحترام سيادة الاراضي اللبنانية، وتقليص لدور حزب الله، مما شكل مشهداً جديداً في بيروت يتوافق مع تطلعات دمشق.
وبالتالي، أسفرت جميع هذه التحولات المفصلية الى ضرورة اعادة ترتيب العلاقات السورية اللبنانية في مرحلة تاريخية، عبر زيارات رسمية متبادلة من الحكومة السورية الجديدة إلى لبنان وزيارات لبنانية إلى دمشق، مما يدل على رغبة متبادلة في إعادة رسم مسار العلاقات على أساس الاحترام المتبادل.
ويعتبر تعليق عمل “المجلس السوري اللبناني الأعلى” والاكتفاء بالاتصالات عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، تغييراً بروتوكولياً، يعكس رغبة سوريا بالتأكيد على احترام سيادة لبنان والتعامل “من دولة الى دولة”.
وفي الاطار ذاته، تم تشكيل لجان مشتركة تهتم بمتابعة ملفات تتعلق: بالقضايا الأمنية والسياسية والقضائية، من ضبط الحدود والحد من تهريب السلاح والمخدرات، وترسيم الحدود البرية، ايجاد حل لملف الموقوفين والمسجونيين السوريين في لبنان، ملف اللاجئين السوريين، ملف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين، تسهيل المعاملات القنصلية، تبادل المعلومات وتحديث آليات التبليغ والتسليم، مما يضمن المصالح المشتركة للدولتين.
وبالتالي، تشهد العلاقات السورية‐اللبنانية اليوم مرحلة مفصلية وتاريخية، كما تشكل فرصة ذهبية لإعادة وضع أسس جديدة متينة مبنية على الاحترام المتبادل، والحفاظ على السيادة، والتعاون المشترك والمصلحة المتبادلة.
ختاماً، نحن نشهد اليوم على نموذج لولادة تاريخ جديد بين بلدين، تجاوزا تراكمات ومتفجيرات الماضي بكل ما حمله من مآسي وأحزان وأوجاع، وعلى الرغم من جميع التحديات المتشابكة والمتشعبة التي تواجههما، يحاولان بناء مستقبل مشترك مزدهر ومتطور يتجاوز الوصاية نحو استعادة السيادة.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها