المصدر: صوت لبنان
مونرو – ترامبو – نتنياهو: العالم تقول ياهو
من الواضح ان العلاقات الدولية دخلت في قالب جديد عنوانه الحق للقوة والقوة فقط، فالسلام بالقوة والاقتصاد بالقوة والانتخابات بالقوة. القوة دائما” بيد من يمتلكها وعليه لا تحتاج الى دعم دولي او غطاء اممي لاي خطوة: فقط ما تحتاجه هو القناعة والمبرر الكافي لك كقائد تمتلك القوة لتمضي بأي خيار مهما كان معارضوه؟ وكأني بالرئيس ترامب بعد فنزيلا يستحضر سلسلة روكي بالبو ويعلنها صراحة لكل من لديهم الثروات ويخالف توجهه اننا امام سلسلة دونالد ترامبووووو!!!!!!
في القرن التاسع عشر، صاغ الرئيس الأميركي جيمس مونرو مبدأً بدا في حينه إعلاناً دفاعياً لحماية الأميركيتين من التدخل الأوروبي، لكنه في جوهره أسّس لمنطق بالغ البساطة والخطورة في آن واحد: من يمتلك القوة يرسم المجال، ومن يقترب من هذا المجال يُعدّ عدواً. لم يكن مبدأ مونرو نصاً قانونياً ولا رؤية أخلاقية، بل إعلاناً مبكراً لعودة السياسة إلى قانون الغلبة، وهو القانون نفسه الذي يعود اليوم بثوب أكثر فظاظة ووضوحاً.
ما نشهده في عهد دونالد ترامب ليس خروجاً عن هذا المبدأ، بل إعادة إحيائه وتوسيعه. شعار أميركا أولاً لم يكن انعزالاً كما روّج له، بل كان انسحاباً من القيود التي فرضتها التعددية الدولية، وتحرراً من أي التزام أخلاقي أو قانوني تجاه النظام العالمي. هكذا تحوّل العالم في الخطاب الأميركي من شبكة علاقات إلى خرائط نفوذ، ومن شركاء إلى تابعين، ومن قانون دولي إلى ميزان قوى متقلب. في هذا السياق، لم تعد الثروات الطبيعية فرصة للتنمية، بل تحوّلت إلى سبب مباشر للضغط والعقاب والابتزاز، إذ بات النفط والغاز والمعادن أدوات صراع لا عناصر ازدهار.
في الشرق، يعكس نهج بنيامين نتنياهو المنطق نفسه، وإن في إطار إقليمي أكثر قسوة. فإسرائيل تتصرف باعتبارها قوة مطلقة في مجال تعتبره حيوياً لأمنها، رافضة أي قيود دولية أو مسارات قانونية، ومطيحة بفكرة العدالة ذاتها. في فلسطين، لم تعد الأرض فقط موضع نزاع، بل الإنسان أيضاً، ولم تعد الموارد عامل بقاء، بل ذريعة دائمة للحرب والسيطرة. هنا تتقاطع السياسات الغربية والشرقية عند نقطة واحدة: حين تصبح القوة هي المصدر الوحيد للشرعية، يسقط كل ما عداها.
في عالم كهذا، تتحول الثروات من نعمة إلى نقمة. الدول الغنية بالموارد لا تُكافأ، بل تُستهدف. يُعاد تعريفها كتهديد محتمل، أو كغنيمة مؤجلة، أو كساحة نفوذ لا بد من إخضاعها. فنزويلا مثال صارخ، وليبيا مثال آخر، والعراق قبلها شاهد لا يمحى. ما يجمع هذه الحالات ليس فشلها الداخلي فحسب، بل وقوعها في قلب صراع دولي يرى في الثروة سبباً كافياً للتدخل، لا محفزاً للاستقرار. ومع تراجع القانون الدولي، تفقد هذه الدول أي حماية فعلية، وتصبح مواردها عبئاً يبرر الوصاية والعقوبات والحروب بالوكالة.
إن استمرار هذا النهج يعني أننا نتجه إلى عالم مقسّم فعلياً لا رسمياً، عالم مناطق نفوذ متداخلة، حيث تختفي الحدود بين الحرب والسلم، ويتحوّل الاقتصاد إلى سلاح، وتُستخدم الطاقة والغذاء والمال كوسائل إخضاع. في هذا العالم، لا مكان للدول الصغيرة أو الضعيفة إلا بوصفها مسارح للصراع، ولا قيمة للشرعية إلا بقدر ما تخدم الأقوياء. الثروة هنا لا تحمي أصحابها، بل تكشفهم، وتجعلهم هدفاً دائماً في لعبة الأمم.
الخطر الأكبر لا يكمن في ترامب أو نتنياهو كشخصين، بل في النموذج الذي يمثلانه، نموذج يعيد تعريف السياسة الدولية كصراع مفتوح بلا ضوابط، ويحوّل الموارد إلى لعنة، والإنسان إلى تفصيل هامشي. وإذا لم يتشكّل توازن دولي جديد، أو وعي عالمي يعيد الاعتبار لفكرة العدالة والمساءلة، فإن العالم مقبل على مرحلة فوضى قاسية، فوضى لا تُدار بالقانون بل بالقوة، ولا تُحسم بالتفاوض بل بالإخضاع. عندها فقط سنكتشف أن الثروات التي حلمت بها الشعوب طويلاً لم تكن باب الخلاص، بل أحد أبواب المحنة الكبرى
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها