المصدر: اندبندنت عربية
نتنياهو ولعبة حرب خاصة مع لبنان
بتفاعل الأحداث في غضون 48 ساعة، منذ إطلاق الصاروخ الباليستي من اليمن نحو تل أبيب في قلب إسرائيل، وحتى زيارة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط آموس هوكشتاين، وجد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو نفسه أمام جبهة معارضة واسعة لكنها متشعبة ومتناقضة الأهداف، داخل الكابينت المصغر وحكومته والمؤسسة العسكرية والشارع من جهة، وجهات واسعة من الأمنيين والعسكريين في الاحتياط من جهته أخرى.
ارتفعت حدة المعارضة بعد إعلان نتنياهو للمرة الأولى أنه لن يسمح باستمرار الوضع في الشمال تجاه لبنان، لكنه، في الوقت نفسه لم يتخذ إجراءات فورية تجاه ذلك بل أجل اجتماع الكابينت المصغر الذي كان سيقرر إذا سيتم إدراج الجبهة الشمالية إلى أهداف الحرب، بذريعة انتظار ما سيتمخض عن زيارة هوكشتاين، الذي وصل إلى تل أبيب، اليوم الإثنين، لبحث تطورات الوضع تجاه لبنان عسكرياً ودبلوماسياً.
نتنياهو أبقى خطواته في مجمل جبهات حرب غزة على نيران هادئة وسط فقدان الأمل في أي تقدم في صفقة الأسرى وتراجع احتمالات التوصل إلى تسوية سلمية مع لبنان تمنع حرباً في الجبهة الشمالية لكن كافة السيناريوهات تحذر من اتساع المعارك إلى حرب إقليمية. أما سقوط الصاروخ الباليستي أمس الأحد وسط تل أبيب من دون إمكانية إسقاطه من منظومات الدفاع العديدة التي استخدمت، فأشعل الضوء الأحمر أمام الأجهزة الأمنية وقيادة الجيش من خطر أن تجد إسرائيل نفسها أمام حرب من سبع جبهات في حال قررت شن حرب على لبنان.
لا موازنة ولا قرار قبل مطلع 2025
جبهة الخلاف التي يواجهها نتنياهو تأتي من مختلف الجهات الداخلية لحكومته والخارجية في المجتمع وأيضاً في واشنطن. لكن الخلاف الأبرز في هذه الأيام يتزايد بينه وبين وزير الدفاع يوآف غالانت، وهو خلاف أدخل وضع الجبهة الشمالية تجاه لبنان ومستقبلها في ضبابية، سواء اتخذت الحكومة قراراً بشن حرب على لبنان، أو بعودة السكان النازحين الذين يراوح عددهم ما بين 80 ألفاً و100 ألف إسرائيلي، كما وعدهم المسؤولون السياسيون والعسكريون.
غالانت الذي أعرب عن موقفه خلال جولته الأخيرة في منطقة الشمال دعا مراراً إلى نقل مركز الثقل إلى الشمال وحث الوحدات العسكرية والجنود على الاستعداد لاحتمال القتال في معركة برية متكاملة من جميع جوانبها، بل لم يكتف بذلك واستبق وصول هوكشتاين، اليوم، بموقف رافض لتسوية سلمية نقله عبر محادثة مع نظيره الأميركي لويد أوستن، ناقشا فيها التقدم في المحادثات الدبلوماسية التي يجريها هوكشتاين.
وزير الدفاع الإسرائيلي تحدث عن أن احتمال التوصل إلى تسوية سليمة في الشمال بات شبه مفقود. وبحسب مكتبه فإن إسرائيل ملتزمة بإعادة سكان الشمال إلى بيوتهم وهذا سيتم فقط بعد تغيير الوضع الأمني في المنطقة، الذي لن يتم إلا بتراجع “حزب الله” 10 كيلومترات في الأقل عن الحدود.
وخلال محادثته مع أوستن، قال غالانت “حتى وإن اتسعت الحرب في الجبهة الشمالية فإن إسرائيل لن تتوقف عن جهودها للتوصل إلى صفقة وستواصل العمل على تفكيك (حماس) وإعادة المختطفين الذين تحتجزهم الحركة في قطاع غزة بكل الطرق”.
المواقف التي يطرحها غالانت لا يتوافق بها مع نتنياهو. فبالنسبة إلى الحرب على لبنان، لا يستعجل نتنياهو في اتخاذ أي قرار لأسباب عدة في مركزها الحفاظ على ائتلاف حكومته ومستقبله السياسي، بل إن رئيس الوزراء وافق على عدم توفير بند في موازنة 2024-2025 للجبهة الشمالية.
وكشف مفوض الموازنات في وزارة المالية الإسرائيلية يوغاف غردوس، خلال إحدى جلسات الكنيست، أنه لم تتم خصخصة موازنة حتى لإمكانية تصعيد متزايد في الشمال. وقال “لا يوجد أي مبلغ لحرب في هذه المنطقة، والواضح وفق التقارير المعروضة من مختلف الجهات أنه إذا ما اندلعت الحرب ستكون قاسية ومن الصعب تحديد قوتها وفترتها الزمنية ولكن من الواضح أنها ستكون لها تداعيات اقتصادية كبيرة جداً بسبب العجز المالي والمشكلات في تعويض النازحين ولأسباب عدة الشمال غير موجود في الموازنة”.
لعبة حرب
يضع رئيس الحكومة الإسرائيلية موعدين حاسمين لأي قرار قد يتخذه في شأن الحرب على لبنان، وفق ما يرى أكثر من مسؤول أمني وسياسي، الأول بعد انتخابات الرئاسة الأميركية في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لأسباب عدة في مركزها ضرورة موافقة واشنطن على أي قرار مماثل، كما أن نتنياهو الذي يأمل عودة دونالد ترمب إلى رئاسة الولايات المتحدة، يتوقع أن يسانده في خطواته السياسية والعسكرية في المنطقة. أما الموعد الثاني، الذي يربطه نتنياهو بحرب على لبنان فهو مطلع ديسمبر (كانون الأول) المقبل حيث سيدلي بشهادته في محاكمته الجنائية إسرائيلياً.
هذان الحدثان المهمان لنتنياهو يدفعانه إلى حسم موقفه تجاه الحرب في لبنان وهو ما يعارضه حتى وزراء حكومته في الائتلاف إلى جانب غالانت، الذين يريدون حرباً فورية، وكذلك سكان الشمال الذين لا أفق لموعد قريب لعودتهم إلى بيوتهم وضمان أمنهم. أما عائلات الأسرى فالأسهم الموجهة من قبلهم إلى نتنياهو تأتي للضغط عليه لعدم شن حرب على لبنان لكنهم في الوقت نفسه يعارضونه في كل قراراته المتعلقة بغزة، خصوصاً ما يتعلق بالبقاء في محور فيلادلفي وعرقلته لصفقة الأسرى، وهم يخشون أيضاً أي تصعيد في الشمال يهدد حياة من تبقى من الأسرى أحياء في غزة.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها