شفيق طاهر

الخميس ١٤ آب ٢٠٢٥ - 13:10

المصدر: صوت لبنان

نسيم المروحة… برودة في الإحساس لا في الهواء

في صيف يزداد قسوة عاما بعد عام، ومع تزايد موجات الحر الخانقة، يبحث الناس عن أي نسمة هواء تخفف عنهم ثقل النهار. وبينما يلهث البعض وراء أجهزة التكييف، هناك من يكتفي بالمروحة، وكأنها عصا سحرية تمنح برودة فورية. لكن، هل تغير المروحة حرارة الغرفة فعلا؟
الحقيقة أن المروحة لا تبرد الهواء، بل تحركه. محركها نفسه يزيد من حرارة الغرفة بشكل طفيف، لكنها تخلق تيارا هوائيا يغير إحساسنا بالحرارة، عبر تفاعل معقد بين الجلد والجهاز العصبي، فيفعّل الجسم آلياته الطبيعية للتبريد.
التعرق… مكيف الجسم الفطري
يحافظ جسم الإنسان على حرارة ثابتة تقارب 37 مئوية. وعندما ترتفع الحرارة، يفرز العرق لتبريد الجسم. هذه القطرات الصغيرة لا تنعشنا بحد ذاتها، بل تبخرها، إذ يستهلك التبخر طاقة حرارية من الجسم، فيخفض حرارته. لكن فعالية هذه العملية تتراجع في الأجواء الرطبة، حيث يصبح الهواء مشبعا ببخار الماء، فيتباطأ التبخر ويظل العرق على الجلد بلا جدوى.
هنا يأتي دور المروحة، فتزيح الهواء المشبع وتحل محله تيارات أكثر جفافا، ما يسرع تبخر العرق ويعزز الإحساس بالانتعاش. أما إضافة مرذاذ ماء أمام المروحة، فيضاعف هذا الأثر، إذ يوفر المزيد من السطح القابل للتبخر، فيسحب حرارة أكبر من الجلد، شرط أن تكون الرطوبة في الجو منخفضة نسبيا.
الهواء المتحرك… طبقة دافئة تتبدد
يحاط الجلد بطبقة رقيقة من الهواء الدافئ، ناتجة عن حرارة الجسم نفسه. المروحة تشتتها، ما يتيح للحرارة بالتبدد بسرعة. وقد أثبتت الأبحاث أن زيادة سرعة الهواء ترفع معدل تبخر العرق بنحو 30%. إنها نسخة صيفية من “تأثير التبريد الريحي” الذي يجعلنا نشعر في الشتاء ببرودة أشد مع هبوب الرياح.
المروحة أم المكيف؟
المروحة تمنح شعورا بالبرودة لكنها لا تخفض حرارة الجو، بينما يغيّر المكيف فعليا درجة الحرارة. لكن المكيف يستهلك طاقة كبيرة، وقد يرفع حرارة البيئة المحيطة نتيجة تصريف الهواء الساخن، فضلا عن رفعه لفاتورة الكهرباء بما يقدر بأكثر من 30% عن معدلها. ومع ذلك، يبقى التكييف ضرورة في بعض الحالات، خصوصا لكبار السن، والأطفال، والمرضى، أو في الأماكن التي تتطلب تبريدا مستمرا، مثل مراكز البيانات والمستشفيات وغيرها.
حلول أبسط… وأذكى
في هذه الأجواء الملتهبة، ليس المطلوب التخلي عن التكييف، بل ترشيد استخدامه، ودمجه بوسائل أقل استهلاكا للطاقة. من بين هذه الوسائل:
• إغلاق النوافذ نهارا لمنع دخول الهواء الساخن.
• تجنب تشغيل الأجهزة التي تولد حرارة في أوقات الذروة، مثل المكواة وغيرها من الأجهزة.
• ضبط المكيف على درجات معتدلة بدل البرودة الشديدة.
• الصيانة الدورية للمعدات لرفع كفاءتها.
أما التهوية الطبيعية، فهي من أقدم وأبسط الحلول، فتح النوافذ ليلا أو في الصباح الباكر لملء المنزل بالهواء البارد، ثم إغلاقها قبل اشتداد الحر. وفي المقابل، يمكن للمراوح، خاصة المزودة بمرذاذ ماء أو مراوح السقف، أن توفر راحة حرارية بكفاءة عالية وكلفة منخفضة.
وهم الماء المثلج
قد يظن البعض أن شرب الماء المثلج ينعش الجسم، لكنه في الحقيقة يبطئ عملية التعرق، وهي خط الدفاع الأول ضد الحرارة. الأفضل شرب ماء فاتر بانتظام، للحفاظ على الترطيب وتعويض السوائل المفقودة.
حرارة الأرض… حرارة حياتنا
في زمن تتسارع فيه ظواهر التغير المناخي، لم تعد موجات الحر الاستثنائية حدثا نادرا، بل باتت مشهدا صيفيا متكررا من بيروت إلى باريس، ومن القاهرة إلى كاليفورنيا. ارتفاع درجات الحرارة يعني مزيدا من الضغط على شبكات الكهرباء، وزيادة الاعتماد على التكييف، وما يرافقه من استهلاك للطاقة وانبعاثات كربونية، لتكتمل الحلقة المفرغة التي تسرّع الاحترار العالمي.
هنا تكتسب الحلول البسيطة كمروحة تدور في زاوية الغرفة معنى أكبر من مجرد راحة شخصية، إذ تصبح جزءًا من استجابة واعية لمواجهة تحديات المناخ، واختيارا يصب في مصلحة البيئة والاقتصاد معا. فالبرودة التي تمنحها المروحة ليست فقط نسيما على الجبين، بل رسالة بأن التكيّف مع الحر قد يبدأ بخطوة صغيرة… وبلمسة هواء.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها