بالأرقام – الوضع الاقتصادي “مظلم”!

إقتصاد | February 23, 2018

inside_news

لم يعد من المفيد، أو أقله من المنطق الاستمرار في دفن الرأس في التراب، وتالياً تجاهل الأزمة المالية العميقة التي بلغت الخطوط الحمر، وباتت تُهدّد الاستقرار المالي والنقدي، وتضاعف من حدّة الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ العام 2012، المؤسسات الدولية، كما الجهات المحلية اللبنانية المعنية بالشأنين الاقتصادي والمالي تحذر من تفاقم مؤشرات مخاطر الوضع المالي نتيجة هذا التراكم والتنامي الكبير في الدين العام، وتالياً في عجز الموازنة. الأرقام شواهد على الوضع المالي المزري الذي لم يعد تنتفع معه الجراحات العلاجية الموضوعية، إنما أضحى بحاجة إلى معالجة قيصرية ولو كانت اثمانها موجعة للبعض.

مشكلة مالية لبنان الأساسية باتت واضحة لأسباب ومعروفة من الجميع. أصل المشكلة فوضى في المالية العامة، هدر، وانفاق ريعي وفساد.. يُقابل هذا المشهد السريالي تراجع كبير في نسب النمو الاقتصادي، في مقابل تنامي كبير في أرقام الدين العام وتاليا في عجز الموازنة. معادلة الأزمة بسيطة، كما الخروج منها ليس مستحيلاً، كما يحاول البعض تصوير ذلك. كيف؟

أولاً: علينا العودة إلى الانتظام في مسألة إنجاز الموازنات العامة، أي إنجاز الموازنة في مواعيدها الدستورية، وعلى ان تأخذ صفة الشمولية، ومع تضمينها رؤية الحكومة  الاقتصادية والاجتماعية «خطة». أضف إلى ذلك ضرورة ترشيد وتخفيض العديد من أبواب الانفاق بما يضمن وقف تعطيل مزاريب الهدر المعروف مصدرها والمستفيد منها من قبل جميع الأطراف السياسية.

ثانياً، ان الاجراء أولاً يبقى منقوصاً إذا لم يتزامن مع معالجة جدية لأزمة تنامي الدين العام، إذ ان سرعة ونسبة ارتفاع هذا الدين (6.8٪) متوسط نسبة زيادة الدين سنوياً هو من الأسباب الرئيسية لعجز الموازنة الذي وصل إلى حدود الـ10 في المئة الناتج القومي.

ثالثاً: العمل سريعاً على زيادة نسب النمو الاقتصادي من خلال برامج وخطط اقتصادية مدروسة تتوجه مباشرة إلى دعم القطاعات المنتجة التي تخلق فرص عمل جديدة، وتحد من البطالة وتنشط قطاعات الاقتصاد الحقيقي (سياحة، عقار وصناعة). المطلوب في هذا السياق الوصول بنسب النمو إلى ما كانت عليه خلال سنوات 2006- 2010 أي إلى حدود الـ8 و9 في المئة.

صندوق النقد الدولي وفي تقريره الأخير الصادر بتاريخ 13 شباط الحالي وضع يده على الجانب «المظلم» في جسم الاقتصاد اللبناني فرأى «انه لا مفر من البدء باصلاحات مالية واسعة للحفاظ على النموذج الاقتصادي». حجم الإصلاحات المطلوبة قابلة للتطبيق كما يقول صندوق النقد لكنها تتطلب «جهوداً» قوية، وعلى الدولة اللبنانية التركيز على ثلاثة محاور اصلاحية:

– العمل على خطة تحقق استقرار الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ثم وضعه على مسار انحداري، وبالتالي ان أي زيادة في الاستثمارات العامة يجب ان تترافق مع خطة إصلاحية يسبقها مباشرة تعزيز أُطر إدارة الاستثمارات العامة.

– احتواء المخاطر المالية بما فيها تحفيز المصارف واتخاذ إجراءات لتحسين نوعية التسليفات.

– إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين وتعطيل أُطر مكافحة الفساد.

أخيراً، لا بدّ من الإشارة وفي سياق شرح وتوضيح مخاطر ارتفاع الدين العام على الاستقرار المالي إلى ان نسبة نمو الدين العام تجاوزت معدل النمو الاقتصادي الاسمي، فقد ارتفعت نسبة الدين العام الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي من 142،2٪ في نهاية العام 2015 إلى ما يقارب 148٪ في نهاية العام 2016 و150٪ في نهاية العام 2017. وينطوي ذلك على أكلاف باهظة، خصوصاً وأن مدفوعات الفائدة على الدين تستنفد حوالى 71٪ من الإيرادات الضريبية وما يعادل 9،8٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت نسبة الدين العام تتراجع بمعدل 5٪ سنوياً قياساً إلى الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط في فترة 2002- 2010 بفضل معدلات النمو المرتفعة والفوائض الأوّلية المحققة والجهود المبذولة من الأطراف المعنية. الا انه مع تباطؤ النمو منذ 2011 وازدياد التحديات الاقتصادية والتجاذبات السياسية، عادت هذه النسبة إلى الارتفاع. فالنمو الاقتصادي الضعيف وازدياد الدين العام بوتيرة سريعة يستدعيان ضرورة التصحيح من أجل تأمين الاستقرار في دينامية الدين.

المصدر: اللواء
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!