إقتصادية
الأحد ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ - 10:22

المصدر: سكاي نيوز عربية

أسعار النفط.. هل أصبح الوصول لـ100 دولار هذا العام مستبعداً؟

مع تجاوز أسعار النفط عتبة الـ 90 دولاراً للبرميل، الأسابيع الماضية، كانت التقديرات تُشير لاحتمالات تحقيقها “أرقام ثلاثية” وصولاً إلى الـ 100 دولار قبل نهاية العام الجاري 2023، غير أنه على عكس تلك التوقعات، تكبدت أسواق النفط خلال الأسبوع الماضي أكبر خسارة لها منذ شهر مارس، تبعاً لعديد من العوامل المؤثرة.

على مدار الأسبوع المنصرم، سجل برنت انخفاضاً بنحو 11 بالمئة، وخام غرب تكساس الوسيط أكثر من 8 بالمئة، وسط مخاوف من أن تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى إبطاء النمو العالمي والإضرار بالطلب على الوقود، حتى مع تراجع الإمدادات من السعودية وروسيا اللتين أعلنتا مواصلة خفض الإنتاج حتى نهاية العام.

وتتباين تقديرات المحللين بين توقعات بملامسة “الأرقام الثلاثية” بعد تجاوز المضاربات التي شهدتها الأسواق أخيراً وأدت لتراجع السوق، وتوقعات بالاستقرار عند المستوى الحالي أو ربما مزيد من التراجعات في ضوء الضغوطات التي تعتري المشهد الاقتصادي العالمي، وتؤثر بدورها على نمو الطلب، وفي خطٍ متوازٍ مع المؤشرات التي تعكس استمرار تشديد السياسة النقدية في ظل الضغوط التضخمية الحالية.

وما بين رهانات المضاربين على الارتفاع والانخفاض، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على الأسواق الآن هو: “بعد الانخفاضات الكبيرة في أسعار النفط.. هل أصبح الوصول إلى مستوى 100 دولار هذا العام مستبعداً؟”.

أسوأ أداء منذ مارس الماضي

يقول الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون النفط، عامر الشوبكي، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن الأسبوع الماضي “كان الأسوأ بالنسبة لأسواق النفط منذ مارس الماضي، وبعد أن تراجعت الأسعار بنسبة 11 بالمئة”، مشيراً إلى أن “هذه خسارة كبيرة، كانت لها أسبابها، وعلى رأس تلك الأسباب المضاربة في الأسواق”.

ويضيف: “تأتي المضاربة بسبب المخاوف المرتبطة بالاقتصاد العالمي، مع استمرار أسعار الفائدة المرتفعة من جانب الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية الأخرى.. بالإضافة إلى ارتفاع سعر الدولار، فضلاً عن التقارير التي أشارت إلى أن روسيا قد تستأنف تصدير الديزل والبنزين.. كل هذه كانت أسباب أدت إلى المضاربات التي أدت لتراجع الأسعار”.

وأعلنت روسيا أنها رفعت الحظر الذي فرضته على صادرات الديزل للإمدادات التي يتم تسليمها إلى الموانئ عبر خطوط الأنابيب. ولا يزال يتعين على الشركات بيع ما لا يقل عن 50 بالمئة من إنتاجها من الديزل إلى السوق المحلية.

لكنه يعتقد بأن “الصورة قد تكون مختلفة في الأسابيع المقبلة”؛ موضحاً أنه “كان من ضمن الأسباب والمشاعر المحبطة في أسواق النفط انخفاض الطلب على البنزين، وكان هذا بسبب الفيضانات التي شهدتها نيويورك وأدت لشل حركة النقل وأثرت على الطلب، ما أدى إلى زيادة في المخزونات تقارب ستة ملايين برميل”.

ويتابع: “الآن هذا الأمر ليس طويل المدى، ذلك أن حركة النقل ستعود حتماً، وهناك شتاء مقبل بطلب إضافي على الوقود، سواء البنزين أو الديزل”.

ويشدد الشوبكي على أن “تخفيضات أوبك بلس هي العامل الحاسم في تحديد أسعار النفط، إذ ما زالت السوق ضيقة، وما زالت أوبك بلس بمجموعة دولها تحجب عن الأسواق 5 بالمئة من الإنتاج، بإجمالي حوالي 4.9 مليون برميل تقريباً، مقسمة على 1.3 مليون برميل كتخفيض طوعي من السعودية وروسيا، و2 مليون برميل متفق عليها من دول أوبك بلس، بالإضافة إلى 1.6 مليون تخفيضات طوعية من 8 أو 9 دول من أوبك بلس.

كذلك فإن “معنويات الأسواق في الصين تتجه للتحسن مع تحسن بعض البيانات الاقتصادية في بكين، وبالنظر إلى أن الصين محرك رئيسي للطلب على النفط، وتشكل نصف نمو الطلب”.. وبالتالي هذه الأمور مجتمعة مع نقص الإمدادات في الأسواق من جانب أوبك، من شأنها أن تؤدي إلى توازن الأسعار مرة أخرى في الأسابيع المقبلة، وعليه “ولم تنته فرصة بلوغ الأسعار مستوى 100 دولار للبرميل في الأسابيع المقبلة”، بحسب الشوبكي.

التقارير عن نشاط السفر الصيني القوي وفرت حدًا أدنى للأسعار في الوقت الحالي. وارتفعت رحلات السفر في منتصف الخريف وعطلة العيد الوطني في الصين بنسبة 71.3 بالمئة على أساس سنوي و4.1 بالمئة مقارنة بعام 2019 إلى 826 مليون رحلة، وفقًا لوكالة أنباء شينخوا.

ويرهن الشوبكي تقديراته المذكورة بقوله: “هذا إذا لم تكن هنالك إمدادات إضافية من الولايات المتحدة أو دول أخرى.. لقد وصل إنتاج النفط في أميركا إلى ثاني أعلى مستوى تاريخي عند 13 مليون برميل يومياً.. علاوة على أن أنبوب النفط العراقي بين كركوك وميناء جيهان التركي ربما يستعيد الضخ في الأسبوع المقبل طبقاً لتقارير تركية.. هذه الأمور تحتاج إلى وقت من نهاية أكتوبر وبداية نوفمبر ليتضح مدى تأثير المعروض في الأسواق على الأسعار”.

ويختتم الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون النفط، حديثه بالإشارة إلى أن “مستوى الـ 100 دولار للبرميل ما يزال قريباً مع نمو الطلب العالمي على النفط”.

خفض الإنتاج

من جانبه، يقول عضو مجموعة الخبراء الدوليين للطاقة، عضو معهد اكسفورد لدراسات الطاقة، هاشم عقل، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” إن ثمة عوامل متزامنة تُسهم في انخفاض أسعار النفط على النحو الحالي، رغم التقديرات المرتبطة بتوقعات وصول السعر إلى 100 دولار للبرميل بناءً على المعطيات السابقة ومع تراجع الإمدادات من السعودية وروسيا اللتين أعلنتا مواصلة خفض الإنتاج حتى نهاية العام.

من بين أبرز تلك العوامل، وفق عقل، ما يرتبط بالمؤشرات المرتبطة بزيادة الإنتاج في عدد من الدول المُنتجة، مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل (..). كما يشير في الوقت نفسه إلى المخاوف المرتبطة بالطلب العالمي، والتقديرات ذات الصلة بتراجع الطلب، وبالتالي تراجع محتمل لأسعار النفط لمستويات أقل.

لكن في مؤشر على الإمدادات الأميركية المستقبلية، قالت شركة بيكر هيوز لخدمات الطاقة الجمعة إن عدد حفارات النفط الأميركية انخفض بمقدار خمسة إلى 497 هذا الأسبوع، وهو أدنى رقم لها منذ فبراير 2022.

ويضيف عضو مجلس امناء معهد الشرق الاوسط للدراسات الاقتصادية والسياسة، إلى الأسباب التي تؤثر على أسعار النفط، ما يرتبط بتصاعد الحديث عن رفع العقوبات الأميركية على إيران (بما يوفر 2.5 مليون برميل، يُمكن أن تصل لثلاثة ملايين بنهاية العام) وفنزويلا (التي ارتفع انتاجها من أكثر من 300 ألف برميل ليقترب من عتبة المليون برميل) وأثر ذلك على أسواق النفط العالمية.

ويشدد على أن خطوة كتلك (رفع العقوبات) يُمكنها المساهمة في المحافظة على المعروض في الأسواق، وبالتالي التأثير بشكل مباشر على أسعار النفط.

وفيما يرى مراقبون أن الاقتصاد الأميركي القوي يمكن أن يعزز المعنويات بشأن الطلب على النفط على المدى القريب، لكن على العكس من ذلك، أدت الإحصاءات الصادرة أخيراً عن وزارة العمل الأميركية بخصوص الوظائف، إلى ارتفاع الدولار وزيادة الرهانات على رفع أسعار الفائدة مرة أخرى في العام 2023.

وأظهرت الإحصاءات أن نمو الوظائف في الولايات المتحدة زاد بواقع 336 ألف وظيفة في سبتمبر، وهو ما يتجاوز كثيرا توقعات الاقتصاديين بزيادتها 170 ألف وظيفة فقط.

ويشير عقل إلى أنه بينما تستعد الولايات المتحدة الأميركية إلى إجراء الانتخابات الرئاسية العام المقبل، فإن هناك اهتماماً كبيراً بإدارة ملف الطاقة من قبل الإدارة الأميركية، لا سيما وأن الناخب الأميركي دائماً ما يضع القضايا الاقتصادية على رأس أولوياته، وأهمها أسعار غالون النفط.

تقديرات الأسواق

وتحبس الأسواق أنفاسها انتظاراً لما سوف تفضي إليه سياسة التشديد النقدي المتبعة من جانب الفيدرالي الأميركي، وسط إشارات لرفع آخر لأسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل قبل نهاية العام الجاري.

سيبقى عند هذا المستوى (المنخفض) حتى عيد الميلاد، أو ربما ينخفض أكثر.
في الوقت نفسه، يتوقع المضاربون على الارتفاع حدوث انتعاش قبل وقت طويل.. لا يزال البعض يتوقع أرقاماً ثلاثية قبل موسم الأعياد.
إن المخاطر كبيرة، وليس فقط بالنسبة لمنظمة أوبك. فارتفاع أسعار النفط من شأنه أن يدفع التضخم إلى الارتفاع، وهو ما قد يجبر البنوك المركزية على الإبقاء على سياساتها أكثر إحكاماً مما كانت ترغب فيه، كما قد يوجه ضربة قوية للاقتصاد العالمي.
وبحسب التقرير، فقد فشلت الرياح الاقتصادية المعاكسة، في ردع السائحين ورجال الأعمال الصينيين عن السفر بأعداد غير مسبوقة هذا الصيف، الأمر الذي أدى إلى تعزيز الطلب على البنزين والكيروسين، وظل نمو الطلب العالمي على “وقود التنقل”، بنحو 1.6 مليون برميل يومياً، دون تغيير خلال العام حتى الآن.

وبحسب التقرير أيضاً، فإن:

المضاربون على الصعود يرون أيضاً أن تخفيضات المعروض تزيد من إيرادات المنتجين، ما يزيد من احتمال تمديدها حتى العام 2024.
على الرغم من انخفاض الصادرات، قد تكون إيرادات المملكة العربية السعودية أعلى بمقدار 30 مليون دولار يومياً هذا الربع مقارنة بالربع الماضي، أي بزيادة قدرها 6 بالمئة، وفقًا لشركة Energy Aspects الاستشارية.
يمكن لكل من السعودية وروسيا أن يشعران بالارتياح من حقيقة أن منتجي النفط الصخري الأميركي لا يستطيعون سد الفجوة الناتجة عن تخفيضات الإنتاج من أوبك، على عكس أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما تعاونت أوبك وروسيا لأول مرة على خفض الإنتاج.
إنتاج النفط الصخري آخذ في الارتفاع في الوقت الحالي، لكنهم يغلقون الآبار بسبب ارتفاع التكاليف. وأعداد منصات الحفر قد انخفضت بنسبة 20 بالمئة عن نوفمبر الماضي، وبحسب أحدث تقرير لبيكر هيوز فقد سجلت عدد منصات الحفر في أميركا أدنى مستوى منذ فبراير 2022.
ويرى المضاربون على الارتفاع أن انخفاض هذا الأسبوع يعكس أيضاً “جني الأرباح” من قبل المتداولين. ويشيرون إلى توقع عجز في العرض يتراوح بين 1.5 مليون إلى 2 مليون برميل يومياً للعام بأكمله، ومن المقرر أن يتحقق معظمه في الربع الأخير، مع تجاوز الإنتاج القياسي للدول غير الأعضاء في منظمة أوبك، مثل البرازيل وغيانا، أخيراً. وهذا سوف يجبر المستخدمين على التعمق في احتياطياتهم.

وانخفضت مخزونات النفط الخام الأميركية بمقدار 2.2 مليون برميل إلى 414 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 29 سبتمبر الماضي؛ وهو تراجع قد يتسارع مع سعي المصافي للحصول على المزيد من الخام بعد موسم الصيانة الذي يستمر حتى أكتوبر.

أسعار الفائدة

بينما يعتقد المضاربون على الانخفاض بأن كل هذه الإشارات سوف تتبدد بسبب العاصفة الاقتصادية التي تهدد العالم.

وقال بنك الاحتياطي الفيدرالي إنه مستعد لإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي سيؤدي إلى تباطؤ النمو، إلى جانب تباطؤ التوظيف وعائدات السندات المتقلبة التي تؤدي إلى تضخم تكلفة الديون.

هذه “الصورة غير المستقرة للغاية” أصبحت أكثر قتامة بسبب الفوضى السياسية.. وقد أصبحت علامات تدمير الطلب نتيجة للارتفاعات الأخيرة في الأسعار واضحة للعيان، مع انخفاض استخدام البنزين في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى موسمي له منذ العام 2001.

ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن التخفيضات المستمرة في المملكة العربية السعودية تعني أن السوق لا تزال ضيقة للغاية.

ويعتقد خورخي ليون، المحلل السابق في منظمة أوبك، والذي يعمل الآن في شركة “ريستاد إنرجي” الاستشارية، بأن الأسعار ستعود قريباً إلى مكان ما عند مستوى الـ 90 دولاراً. ومن الممكن أن تؤدي البيانات الاقتصادية المفاجئة إلى تقلبات قد تصل إلى 5 إلى 10 دولارات للبرميل. وقد تؤدي عديد من المفاجآت إلى دفع الأسعار لفترة وجيزة إلى أرقام ثلاثية.

الجدير بالذكر أن تحالف أوبك بلس بقيادة السعودية دائما ما يشدد على استهدافه لاستقرار أسواق النفط، بما يحقق منفعة للمنتجين وللصناعة البترولية وأمن الطاقة العالمي.