محلية
الخميس ١٣ حزيران ٢٠٢٤ - 09:55

المصدر: الجمهورية

إشارات ورسائل للبنان: للعمل على خفض التصعيد والضغط على الحزب لتجنّب الانزلاق الى حرب

كل المنطقة مضبوطة على إيقاع المحاولات الرامية الى فَرض هدنة في حرب غزة، يعوّل على أن تتولّد عنها أو ترافقها تلقائيّاً هدنة غير معلنة على جبهة لبنان تفتح المجال لبلورة حل سياسي يرسّخ الأمن والاستقرار في المنطقة. ولكن على ما هو واضح، فإنّ الهدنة في مخاض صعب يَشي بأنّ المسار المؤدي اليها تشوبه تعقيدات تُبقيها في دائرة الاحتمالات السلبية حتى يثبت العكس.

وفي انتظار ما ستؤول اليه هذه المحاولات – التي تُجمع التقديرات على انّ نتائجها الملموسة ستتبلور خلال ايام قليلة، أكان نحو الاتفاق على هدنة مؤقتة تشكل مرتكزاً لوقف اطلاق النار او نحو مزيد من التصعيد – يبقى حبس الانفاس هو السائد على الجبهة الجنوبية، مع الرفع المُتتالي لوتيرة المواجهات والتهديدات في آنٍ معاً.

تفاؤل حَذِر

الى ذلك، أعربت مصادر ديبلوماسية عن تفاؤل حذر إزاء سريان المشروع الأميركي لفرض هدنة في قطاع غزة، وأبلغت الى «الجمهورية» قولها «إنّ الاميركيين، وبعد اشهر الحرب الطويلة، وصلوا الى قناعة بأنها باتت حرباً عبثية، وتأثيراتها ستكون شديدة السلبية على حليفهم الأقرب اسرائيل. وتَداركاً لهذه التأثيرات صاغت «الدولة العميقة» في الولايات المتحدة مشروع الهدنة، وتعبيراً عن مدى الاولوية التي توليها واشنطن لمشروع يُحاكي في جوهره مصلحة كبرى لإسرائيل، أُنيطت مهمة طرحه عبر الرئيس الاميركي جو بايدن شخصياً».

وتشير المصادر الى «انّ الثقل الأميركي واضح في هذا المشروع، ما يعطيه دفعا كبيرا للسَرَيان، الا أن ما يبعث على الحذر هو الخشية من شياطين العناوين والتفاصيل في آنٍ معاً، لا سيما من الموقف الاسرائيلي المُتذبذب حيال المشروع برغم اعلان واشنطن انّ اسرائيل موافقة عليه، اضافة الى موقف حركة حماس، التي سلّمت وحركة الجهاد الاسلامي الى الوسطاء المصريين والقطريين ردا مشتركا، ضَمّنتاه تعديلات تؤكد من خلالها على وقف لإطلاق النار وانسحاب الجيش الاسرائيلي من كامل غزة وفتح معبري رفح وفيلادلفيا، وهي تعديلات وصفتها اسرائيل بأنها تغير المعالم الرئيسية للاقتراح الاميركي.

ورداً على سؤال، قالت المصادر: «كل الاطراف في حاجة الى الهدنة، والاميركيون مستعجلون عليها. والإسرائيليون، مهما صدرت عنهم مواقف اعتراضية، لا يستطيعون في نهاية الأمر ان يخرجوا على الارادة الاميركية، لأن الحرب المستمرة منذ تسعة اشهر وصلت الى افق مسدود، لم يتحقق خلالها الهدف الرئيسي في الإفراج عن الاسرى الاسرائيليين، وتَكوّنت لدى الاميركيين وحلفائهم قناعة بأنّ هذا الهدف لا يتحقق الا بالحل الديبلوماسي المنصوص عليه في متن المشروع الذي طرحه الرئيس بايدن، الذي يفتح بدوره بابا واسعا لحلّ ديبلوماسي على جبهة لبنان».

ثمّة تحوّل حصل

ما عَبّرت عنه المصادر الديبلوماسية يَتقاطع مع تقديرات خبير في الشؤون الأميركية، حيث قدّم عبر «الجمهورية» قراءة لمشروع الحل الأميركي، سجّل فيها مجموعة ملاحظات:

اولاً، منذ تشرين الاول من العام الماضي، دخلت «حرب غزة» الى مجلس الامن الدولى مرات عديدة آخرها بالامس القريب حينما تبنّى مجلس الامن قراراً بوقف اطلاق النار. يعني انّ ما بين المرات السابقة والمرة الاخيرة حصل تحول كبير جدا، وهو انّ مَن كان يواجه بـ»الفيتو» كل المشاريع لوقف النار في غزة، اي الاميركي، صار هو الذي يطرح وقف النار.

ثانياً، إنّ مواقف القوى الدولية على اختلافها، التي اجتمعت جميعها على دعم اسرائيل وغطّت حربها على قطاع غزة، صارت محكومة برغبة وقف الحرب بأي ثمن، ما يعكس تعبا دولياً حقيقياً منها.

ثالثاً، إنّ مشروع الحل الاميركي يفترض انه يحمل قوته التنفيذية، ولكن قد تحاول الاطراف المعنية به ان تتشاطَر في محاولات طبيعية لتحسين شروطها، وهو امر سيتولى حسمه الوسطاء، وقد تدخل المسألة لبعض الوقت في حالٍ من المد والجزر، ولكن في النهاية سيُصار الى هدنة واتفاق على تبادل الاسرى.

رابعاً، الأميركيون، يبدو انهم في تمرير مشروعهم ضامنون لتجاوب اسرائيل، وتركيزهم كما يبدو مُنصَب على «حماس»، التي يتوقع ان تتعرض لضغوط كبرى لكي تقبل بالاقتراح الاميركي. وينبغي هنا التمعّن ملياً في «نصف القبول، ونصف الرفض الاميركي لرد حماس على المشروع الذي سُلّم الى المصريين والقطريين، حيث قال: إنّ «حماس» تريد اجراء كثير من التغييرات، وبعض الاقتراحات التي قدمتها مقبولة، وبعضها الآخر لا يمكن القبول به. مضيفاً: ان الصفقة المطروحة على الطاولة تتطابَق مع الصفقة التي اقترحتها «حماس» في 6 ايار. وسنتابع العمل مع شركائنا في قطر ومصر لمحاولة التوصّل لاتفاق بشأن الصفقة الجديدة. مشيراً الى ان اسرائيل قبلت المقترح كما هو عليه الآن، لكنّ حماس رفضته، وهي تتحمل عبء عدم التوصل الى صفقة، وعبء الحرب التي بدأتها».

خامساً، بناء على ما تقدم، يمكن التأكيد أنّ الصفقة الأميركية ما زالت على نار حامية، وسريانها في غزة، وكما توحي الاندفاعة الى ذلك، مُرتبط بأيام وليس اسابيع، وتلقائياً سيكون لهذا السريان صدى سريعاً على جبهة لبنان، ترجمته الأولى مُسارعة الوسيط الاميركي آموس هوكشتاين الى بيروت لاستئناف االبحث في الحل السياسي لمنطقة الحدود.

واشنطن وجبهة لبنان

يُشار في هذا السياق الى أنّ حركة الإتصالات الأميركية ما زالت متواصلة لاحتواء التصعيد في جبهة الجنوب. وفي هذا الإطار كشفت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الجمهورية» ان «القنوات الديبلوماسية شهدت زحمة ملحوظة في الايام الاخيرة، وحملت الى لبنان، إشارات ورسائل مباشرة وغير مباشرة من مستويات دولية متعددة، لا سيما من الاميركيين والفرنسيين بالدرجة الاولى، تحثّ الجانب اللبناني على العمل على خفض التصعيد والضغط على «حزب الله» لتجنّب الانزلاق الى حرب، وفي الوقت نفسه تمارس واشنطن ضغطا متزايدا على اسرائيل، ويبدو انها نجحت في فرملة الاندفاعة الاسرائيلية الى الحرب».

ويندرج في هذا السياق انّ البنتاغون اعلن انّ وزير الدفاع الاميركي لويد اوستن ناقشَ، في اتصال مع نظيره الاسرائيلي يوآف غالانت، الجهود المبذولة لتهدئة التوترات على الحدود الاسرائيلية اللبنانية، مشيراً الى انّ «اوستن عبّر عن مخاوف من التوتر على حدود لبنان». كما يندرج في السياق ذاته ما اعلنه وزير الخارجية الاميركية من الدوحة بلينكن، رداً على سؤال حول جبهة لبنان: هناك 60 الف اسرائيلي لا يستطيعون العودة الى منازلهم بسبب صواريخ «حزب الله»، ونحاول منع التصعيد في جنوب لبنان ولا أحد يرغب في حرب جديدة». وتابع قائلاً: «ليس هناك شك لديّ بأن أفضل طريقة لتمكين التوصّل الى حل ديبلوماسي للشمال (مع لبنان) هو حل الصراع في غزة، والتوصّل الى وقف لإطلاق النار، وهذا سيخفف قدراً هائلاً من الضغط».