إقليمية
الأحد ١٦ حزيران ٢٠٢٤ - 21:40

المصدر: الحرة

تونس تفتح أبوابها لإيران.. ماذا يريد قيس سعيّد؟

قررت تونس، إعفاء الإيرانيين من تأشيرة الدخول، في خطوة سبقتها زيارة من الرئيس قيس سعيّد، هي الأولى إلى طهران منذ الثورة الإسلامية عام 1979، للمشاركة في تشييع الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، الذي قتل في حادث تحطم طائرة مايو الماضي.

وخلال اللقاء الذي جمع سعيّد بالمرشد الإيراني على هامش الزيارة، قال علي خامئني، للرئيس التونس حسب وكالة الأنباء الإيرانية “إرنا” إنه “من الضروري أن يتحول التعاطف الحالي بين البلدين إلى تعاون ميداني”.

فيما رد سعيّد بالإعراب عن أمله أن “يتم توسيع التعاون بشكل عملي”.

وكان سعيّد من بين الزعماء العرب القلائل الذين شاركوا في مراسم تشييع رئيسي، كما باتت تونس من البلاد العربية المحدودة التي تسمح للإيرانيين بزيارتها دون تأشيرة، وهو ما يفتح الباب أمام العديد من التساؤلات بشأن دوافع هذه الخطوات لزيادة الانفتاح على طهران، وسط تحذيرات من انعكاس ذلك على السياسة الخارجية والداخلية على المدى المتوسط، وديمغرافية البلاد على المدى الطويل.

“إصرار على التقارب”

المحلل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي، يعتبر أن سعيّد كان ولا يزال يرغب في توثيق العلاقات مع إيران منذ انتخابه، إذ أبدى حرصه، في أكثر من مناسبة، على زيارة طهران.

ويضيف الجورشي في اتصال هاتفي مع موقع “الحرة” أن “الزيارة الأخيرة دعمت هذه التوجه نحو التقارب أكثر مع طهران، وربما تأتي هذه الخطوة ضمن المزيد من الخطوات المستقبلية لتوثيق العلاقة بشكل كبير بين البلدين، خصوصا في الشق الاقتصادي”.

وفي فبراير الماضي، أفادت وكالة مهر للأنباء الإيرانية بأن إيران وتونس اتفقتا على إحياء الاتفاقيات التجارية واللجنة المشتركة بينها، وذلك على خلفية اجتماع جمع السفير التونسي الجديد في إيران، عماد الرحموني، ونائب وزير الصناعة والتعدين والتجارة رئيس منظمة التجارة الإيرانية، مهدي ضيغمي.

وحسب الوكالة، فإن هناك 18 اتفاقية ومذكرة تفاهم موقعة بين البلدين، وتوقف العمل على تنفيذ بعض الاتفاقيات منذ 10 سنوات.

وفي تصريحات نقلتها الإذاعة التونسية، مايو الماضي، دعت رئيسة ديوان وزيرة التجارة وتنمية الصادرات، لمياء عبروق، إلى تفعيل مجلس رجال الأعمال المشترك التونسي الإيراني والتسويق لجعل تونس بوابة للاستثمار ومحطة لإعادة تصدير المنتجات الإيرانية نحو أفريقيا.

ويعتبر المحلل السياسي من القاهرة، منير أديب، أن “تطوير العلاقات بين البلدين يأتي في سياق الاستفادة المتبادلة بما يخدم مصالحهما السياسية”.

ويضيف لموقع “الحرة”: “إيران تبحث عن عمق وتأثير لها في أفريقيا بخلاف أذرعها في بعض الدول العربية، فيما يبحث سعيد عن دعم في مواجهة خصومه السياسيين وعلى رأسهم حزب النهضة وجماعة الإخوان المسلمين”.

ويتابع: “النظام في تونس اتخذ قرارات حاسمة ضد حركات الإسلام السياسي التي يتهمها بالعنف والتطرف مثل جماعة الإخوان المسلمين وحزب النهضة المنبثق عنها. كما يعتبر أنه يبني الجمهورية الجديدة لتونس؛ لهذا يسعى إلى أدوات سياسية جديدة ترسخ حكمه”.

وتم انتخاب سعيّد ديمقراطيا عام 2019، لكنه أقال الحكومة بعد عامين وعلق عمل البرلمان قبل حله. ولاحقا عدّل الدستور، وغير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي.

وحاليا يقبع عدد من معارضيه في السجن، بينما تستعد تونس لإجراء انتخابات رئاسية في ديسمبر المقبل.

ويدافع سعيّد، منذ ذلك الحين، عن توليه كل السلطات، كسبيل وحيد لإنهاء الشلل الحكومي بعد سنوات من الخلاف السياسي والركود الاقتصادي وتفشي الفساد، ووعد بدعم الحقوق والحريات التي تم تحقيقها في ثورة 2011.

التأثير الداخلي؟

بلغ عدد السكان في تونس وفق المعهد الوطني للإحصاء نحو 11.8 مليون نسمة في نهاية عام 2023، أغلبهم من المسلمين السنة، وفق الجروشي.

لكن السنوات القليلة الماضية شهدت “تزايدا ملحوظ في أعداد أبناء الطائفة الشيعية بتونس”، حسب ما يضيف الجروشي، الذي يشير إلى أن “الحديث عن أفكار مثل المد الشيعي في تونس يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، مع هذا الانفتاح الكبير على طهران”.

ويضيف خلال حديثه: “هناك تخوف بالأوساط السنية المالكية والقيادات الدينية في تونس، وحتى من بعض المثقفين الذين لا تربطهم علاقة بالأفكار الدينية، الذين لفتوا الانتباه مؤخرا إلى هذه النقطة”.

ومع ذلك، فإن مسألة حرية المعتقد مكفولة في تونس ولا يمكن منع أي شخص من هذه الحرية، حسب الجروشي، “لكن تأثير ذلك على ديمغرافية البلاد في المستقبل والمدى الطويل يمكن أن يتسبب في شقوق ليس فقط على المستوى المذهبي بل على المستوى السياسي”.

ويقول: “ربما يتطور الأمر إلى إحداث مشكلات في تونس، وهو بلد صغير لا يحتمل صراعات مذهبية؛ لهذا يجب النظر بعين الاعتبار إلى هذه الاحتمالات والتداعيات ذات البعد الاستراتيجي المستقبلي”.

ويتفق مع هذا أديب، الذي يقول إن “إيران نشرت أذرعها في عدد من الدول العربية، بما يخدم أجندتها السياسية والعسكرية المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة”.

ويضيف: “ما يأتي من تطورات سياسية في العلاقات بين تونس وإيران لا ينفصل عما يحدث من تداعيات الحرب في غزة والصراع في الشرق الأوسط، إذ إن التصريحات الرسمية التونسية الرافضة للاحتلال التي تتوافق مع التصريحات الإيرانية، تلقى تأييدا جماهيريا في تونس”.

واعتاد سعيّد منذ الحملة الانتخابية في عام 2019، ترديد شعارات مرتبطة بـ”القضية الفلسطينية”، تلقى استحسانا من الجماهير في الشارع، إذ أبدى رفضه في تصريحات تلفزيونية “لتطبيع العلاقات مع إسرائيل” واعتبرها “خيانة عظمى”.

ويتابع أديب: “هناك دول تريد أن تواجه إسرائيل من خلال إقامة علاقات قوية أو متوازنة حتى مع إيران. ويبدو أن تونس من هذه الدول وتتجه إلى علاقات واضحة بما يخدم مصالحها الداخلية والخارجية”.

ويؤكد هذا الزميل أول في معهد بروكينغز للفكر في واشنطن، شاران غريوال، الذي كتب في تحليل نُشر يونيو الجاري: “هجمات حماس في السابع من أكتوبر والحرب التي تلتها، ساهمت في تسريع انفصال سعيّد عن التقاليد التونسية الأكثر اعتدالا. إذ أصبحت تونس أكثر تحفظا على مصطلحات إقامة دولة فلسطينية على حدود يونيو 1967 وحل الدولتين، وبدلا من ذلك، دعمت إقامة (دولة مستقلة على كامل أراضي فلسطين وعاصمتها القدس)”.

“في مواجهة العزلة”

ومنذ الاستيلاء على السلطة قبل ثلاثة أعوام، واجه سعيّد انتقادات دولية واسعة، لكن ما تلا “ذلك من تعزيز سيطرته سمح له بتغيير السياسة الخارجية لتونس تدريجيا”، حسب غرويال، الذي كتب: “في هذا السياق من العزلة، ينبغي لنا أن ننظر إلى تواصل سعيّد الأخير مع إيران والصين وروسيا”.

ويؤكد هذا الجروشي، الذي يقول إن “سعيّد يواجه الآن العديد من المشكلات مع الولايات المتحدة وأوروبا، كما أنه أيديولجيا لا يقتنع بالهيمنة الأميركية والأوروبية”.

ويضيف: “سعى الرئيس التونسي إلى الميل تدريجيا نحو تحالف آخر يتضمن روسيا والصين وإيران، مما يعكس التحول الهائل في السياسة الخارجية التونسية خلال هذه المرحلة، وفي المستقبل”.

وقبل أسبوعين، أجرى سعيّد أول زيارة إلى الصين منذ توليه الحكم، حيث شارك في القمة العربية الصينية إلى جانب عدد من القادة العرب، كما زار وفق بيانات رسمية مصانع وشركات صينية.

ويعتبر أديب أن “اتجاه تونس نحو تنويع علاقتها يأتي في سياق التطورات العالمية أيضا، بما في ذلك حرب روسيا على أوكرانيا”.

ويقول خلال حديثه: “العالم ينقسم بشكل حقيقي بين من مع من، وفي أي جبهة، أو في أي حلف. واختارت تونس أن تكون مع روسيا والصين وإيران”.

بدوره، يقول الزميل أول في معهد بروكينغز:”تتناسب هذه البلدان (روسيا والصين وإيران) بشكل طبيعي مع رؤية سعيّد للعالم، سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو في نقده الأوسع للإمبريالية الغربية”.

ويضيف في تحليله: “على سبيل المثال، تمحور لقاء سعيّد مع المرشد الإيراني، حول فلسطين، حيث أشاد خامنئي بموقفه المناهض للصهيونية، وشدد على الحاجة إلى تطوير المزيد من هذه المواقف في العالم العربي. ووافقه سعيّد على ذلك قائلا إن (العالم الإسلامي) يجب أن يخرج من وضعه السلبي الحالي”.

ومع ذلك، فإن هذا التحول اللافت للنظر قد يضر بتونس ومصالحها على المستويين السياسي والاقتصادي، حسب الجروشي، الذي يقول: “من المتوقع أن يؤدي التقارب مع إيران إلى بروز مشكلات عدة في المرحلة المقبلة، وهذا الوضع قد يزعج الحلفاء في الولايات المتحدة وأوروبا”.