مجتمع
السبت ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٣ - 08:42

المصدر: الحرة

“جسد شرعيّ” وتقاليد “حمراء”… الحريات الفردية تتباين بين المغاربة

رغم استمرار “الحضور المكثف” للمرجعية الدينية في ممارسات عدد من المغاربة، أبرزت دراسة جديدة، ارتفاع المطالب الداعية إلى احترام الحريات الفردية، واتساع المسافة التي تربط الأفراد بالمرجعيات التقليدية متمثلة في الدين والعائلة والعادات والتقاليد.

وكشفت الدراسة التي  أعدها مركز “منصات” للأبحاث والدراسات الاجتماعية، تباين مفهوم الحرية الفردية لدى عدد من المغاربة، انطلاقا من ثلاثة مستويات، يتعلق الأول بربطها بالكرامة والحق في الاختيار والتصرف في الجسد، والثاني بمدى انسجامها مع المعايير السائدة في المجتمع، فيما تربطها فئة ثالثة بالانحلال والفساد الأخلاقي.

وركزت الدراسة بعنوان “الحريات الفردية: ما يقوله المغاربة!”، التي شارك فيها 1311 مستجوبا من خلفيات اجتماعية وثقافية متنوعة، تحليل التمثلات والممارسات المتعلقة بحريات المعتقد والجسد، والمواقف من النقاش الدائر حول قوانين الحريات الفردية والجنسانية بالمجتمع المغربي.

أبزر النتائج

وكشفت نتائج الدراسة، أن ما يهيمن على منظور المستجوبين للحرية الفردية، هو “الرغبة في الموازنة” بين ما اعتبر “الذات الفردية والذات الجماعية”، وأشارت إلى تخوف الكثيرين من أن “انتشار الحريات الفردية، سيهدد مصير المجتمع، وسيمثل خطرا على المرجعية الدينية التي تبقى النواة الأساسية في تمثلهم (مفهومهم) للهوية الجماعية”.

وأوضحت دراسة “منصات”، أن العائق الأساسي لممارسة الحرية الفردية، لا يرجع دائما للتخوف من السقوط تحت مساءلة القانون، وإنما التخوف أيضا من الاصطدام مع “سلطة الضبط الذاتي”، التي ترتبط بالعادات والتقاليد والتنشئة الأسرية والمدرسية والدينية.

ومن جهة أخرى، عبّر المستجوبون عن نوع من التذمر من “انتقائية تطبيق القانون”، حيث ربطوا ممارسة الحرية الفردية بالموقع الطبقي، من خلال إثارة نماذج على ممارسات مثل الإجهاض والعلاقات الرضائية وحتى الإفطار العلني في رمضان، والتي يطرحها العديد من أفراد عينة البحث كـ “حريات طبقية”، يمارسها البعض دون الآخر.

وفي مقابل رفض ممارسة بعض الحريات بشكل علني في الفضاءات العامة، وجدت الدراسة لدى غالبية عينة البحث “مستوى مرتفعا من التسامح مع ممارسة الحريات الفردية في أشكالها غير المهيكلة والمتخفية وفي الفضاءات الخاصة”.

كما سجلت الدراسة ارتفاع حدة النقد ومساءلة البديهيات الاجتماعية، مثل الدين والزواج والروابط الاجتماعية، بالخصوص لدى نسبة مهمة من النساء اللائي يشتكين من الحيف الذي يتعرضن له في عدد من القضايا من قبيل الإرث، والزواج بغير المسلم وغيرها.

وساهم ولوج المرأة المغربية إلى العمل ومشاركتها بعدد من المجالات الاقتصادية، في “بزوغ توجه مهم نحو الاعتراف النسبي بحرياتها الفردية في عدد من المجالات، خاصة فيما يتعلق بالسفر والعيش بمفردها من أجل العمل والدراسة”، بحسب الدراسة.

“الجسد الجماعي”

وفيما يتعلق بحرية الجسد، هيمن على رؤية المستجوبين للحرية الفردية “اعتبار الجسد ملكا جماعيا”، وتستند هذا المنظور في غالبيته، على منطلقات دينية، تصبح معها حرية الجسد مرادفة ومرتبطة بالانحلال الأخلاقي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمرأة واختياراتها، بحسب معدي الدراسة.

وخلصت الدراسة إلى أن إجابات جزء كبير من المستجوبين، تختزل حرية الجسد بما أسمته “الجسد الشّرعي” الذي عليه أن يتصرف ويتوافق مع المعايير الاجتماعية والدينية بالخصوص، خاصة عند الحديث عن البكارة والعذرية.

وتتأكد هذه المقولة أيضا، بحسب المصدر ذاته، عندما يتعلق الأمر بسفر المرأة أو الفتاة المغربية، واختيار الأصدقاء، حيث “نجد تضاربا في الآراء حول من له حق التدخل في هذه الاختيارات”.

غير أن الدراسة سجلت أن كل المستجوبين، يرفضون دون استثناء، مسألة اللجوء للعنف الجسدي أو المادي للحد من حرية ممارسة الأشخاص للحريات الفردية، ويكون التبرير دائما “وجود دولة، وقانون، أو ولي أمر، يسهر على حفظ نظام المجتمع”.

حرية المعتقد

وبخصوص حرية المعتقد، يسود لدى المستجوبين تخوف من أن ممارسة بعض الأفراد للحق في حرية تغيير المعتقد، بمعتقد ديني أو لاديني غير الدين الإسلامي، يمثل “استهدافا لهوية المجتمع”.

وفي هذا الجانب، يثير المستجوبون عند الحديث عن الحرية الفردية العديد من الأسئلة، من قبيل مصير المجتمع، والخطر الذي يهدد الهوية الدينية.

ومن هذا المنطلق تشير الدراسة إلى أنه سواء تعلق الأمر بالحرية الجسدية، أو حرية المعتقد، أو العلاقات الرضائية بين الراشدين، يبدو أن ما يهيمن على الأجوبة “الخوف من فقدان الهوية”.

وسجلت الدراسة قبول أغلبية المستجوبين بممارسات غير منضبطة مع أشكال التدين “شريطة بقائها في الفضاءات الخاصة، المعتمة والمغلقة فقط، لأن خروجها للعلن يعتبر مظهرا من مظاهر تهديد التناغم الاجتماعي وخلق شرخ في الوحدة الدينية للجماعة/ الأمة”.

“تحولات”

الباحثة بمركز “منصات”، فاطمة إكا، أوضحت أن الدراسة الجديدة، “تبرز هيمنة الرغبة في ممارسة الحريات الفردية بموازنتها مع المتطلبات الاجتماعية والمرجعيات الدينية، التي رغم تراجعها ما يزال حضورها مكثفا”.

وأوضحت إكا في تعليقها على نتائج الدراسة، أن “تمثلات الحريات الفردية لدى جزء كبير من المغاربة تهيمن عليها النظرة الدينية وضوابطها والتقاليد والعادات التي تمثل ‘نقطة حمراء’ يجب الوقوف عندها، رغم تأكيد عدد من المستجوبين رغبتهم في التمتع بكل حرياتهم.

وتعكس الدراسة، وفق الباحثة، “ازدواجية بين تمثل الحريات الفردية وممارستها، مثلا تجد شخصا يدافع عن بعض الحريات، لكنه يفرض ممارستها بالفضاءات الخاصة فقط”، أو أنه “يمارسها لكن تمثلاته حولها محكومة بنظرة دينية، مثل الحلال والحرام”.

من جهته، يوضح الكاتب والحقوقي المغربي، أحمد عصيد، أن الدراسة الجديدة، تبرز خطأ الفكرة السائدة القائلة إن المجتمع المغربي “محافظ” ومتدين ولا يقبل بالحريات الفردية.

وأضاف أن نتائج الدراسة تشير إلى أن التمثلات التي لدى المواطنين “تختلف كثيرا بحسب الموقع الذي يتواجد به الفرد وبحسب الطريقة التي يتم بها طرح السؤال عليه، ولهذا تختلف أجوبة المواطنين بين التشدد والتسامح والحياد”.

ويؤكد عصيد في حديث مع موقع “الحرة”، أن هذه الدراسة “تتصف بالجدية وبقدر كبير من الحرص على الموضوعية، رغم صعوبة ذلك في دراسة الظاهرة الاجتماعية، وأيضا صعوبة استطلاع رأي المواطنين ومواقفهم في القضايا الحساسة التي تعتبر بمثابة تابوهات اجتماعية”.

ويتابع الكاتب المغربي، أن أهمية نتائج هذه الدراسة، تكمن في أنها تمد الفاعلين المدنيين والحقوقيين بمعطيات هامة، تسمح لهم بتوضيح الرؤى فيما يخص الترافع من أجل مراجعة القانون الجنائي المغربي المتأخر في كثير من الأصعدة.

وتابع المتحدث ذاته، أنها تبقى مفيدة أيضا للأحزاب السياسية التي ما تزال معظمها متحفظة في موضوع الحريات الفردية لـ”أسباب سياسية معلومة”، ولكن أيضا بسبب عدم توفرها على ما يكفي من المعطيات الميدانية التي تبرز طبيعة العلاقات الاجتماعية في المجتمع المغربي الذي طالته تحولات كثيرة على مدى عقود.