مجتمع
السبت ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٣ - 16:12

المصدر: المدن

دور العجزة تقنن بالطعام وحجّار: مسؤولية وزارة الماليّة

” ما كنت أخشاه دوماً في طفولتي هو أن أصل إلى مرحلة الشيخوخة وأنا أعيش هنا”. بصوت خافت، ومرتجف، يشرح طوني مارون، العجوز الثمانينيّ، في حديث لـ”المدن”، ما أسماه “رحلةَ الذلّ” أمام أبواب دور العجزة في بيروت، التي رفضت استقباله بحجة “عدم وجود أماكن شاغرة حالياً”، ليُقيم على وعدٍ بأن يتواصلوا معه لاحقاً، إذا مدّ الله في عمره…

“الموت أرحم!”
لم تَسلمْ دُور العجزة في لبنان من الانهيار الاقتصاديّ الذي يضرب البلد ويشلّ مؤسّساته، ويضعها أمام خيار الإقفال. ولعلّ النداءات المتكرّرة التي أطلقتها تلك المراكز، لاسيّما الخاصّة منها، تُنذر بكارثة اجتماعيّة حقيقيّة، وتؤشّر إلى الإساءة التي تصيب صحةَ كبارنا وكرامَتَهم، وسط احتياجنا الشديد لضمان الشيخوخة وأدنى مقوّمات العيش الكريم.

عاش طوني في منطقة الأشرفية لأكثر من 40 عاماً، بين أهله وأصدقاء العمر من جيله، قبل أن يُدمّر تفجير الرابع من آب بيته المتواضع على أطراف “كرم الزيتون”، ويتسبّب له بمشكلة قلبيّة تستدعي خضوعه لإشراف طبيّ بصورة دوريّة. “ما أصعب أن نعيش كالغرباء في بلدنا، حيث لا قيمة لنا أو أهميّة، هذا إذا كانوا يعلمون بوجودنا. غلطة عمري هي عدم ارتباطي أو إنجابي لولد يحملني في آخرتي. قد يبدو ما أقوله سخيفاً أو تقليديّاً، ولكن عندما يكبر المرء يحتاج إلى كتفٍ ثابتة يتكّئ عليها، فعلى مَن أميل في هذه السنّ إذا كانت دولتي بحكومتها ومسؤوليها مهتزّة أساساً؟”، يسأل العجوز.

في كانون الثاني 2021، قصد “العمّ طوني” – وفق ما يُناديه أبناء المنطقة – بعض المراكز الصحيّة التي تُعنى بالمسنّين في بيروت وجوارها، سائلاً إيّاهم استقبالَه، لأنّ عمره لا يسمح له بالعمل؛ وهو يعيش حالياً مع صديقَيه في غرفة لا تصلح للسكن في منطقة النبعة. “لم أترك باباً إلّا وقرعته طالباً المعونة، حتّى خلال فترة الانتخابات حاولت التواصل مع بعض الجهات السياسيّة عبر مفاتيحهم الانتخابيّة لعلّهم يشفقون على حالتي. أنا مواطن لبنانيّ أعيش وسط ظروف قاهرة لا يعلم بها غير ربّي. أنتظر مساعدة من هنا أو هناك لشراء ربطة الخبز بانتظار ساعة موتي. وبالرغم من كلّ شيء، أقول الحمد لله، فحتّى الساعة تدفع إحدى سيّدات الأشرفية لنا إيجار هذا المكان لننام فيه. أمّا إذا توقفت عن ذلك لسببٍ أو لآخر فسيضعنا المالك في الشارع ببرودة أعصاب، مع العلم أنّنا نعيش في الشارع أساساً، إذ المنزل يحتاج إلى صيانة وتدفئة، خصوصاً في الشتاء كي لا تُمطر علينا”.

بالنسبة إلى يوسف طعمة (75 عاماً)، لم يختلف الوضع كثيراً. فهو موظف متقاعد يُعاني من ضعف في عضلة القلب، ومن مضاعفات صحيّة جرّاء مرض السكريّ، ممّا تسبّب ببتر قدمه اليُمنى، العام الماضيّ. حالته الصحيّة تتطلّب، كثيراً من الأحيان، دخول المستشفى، وتُكبِّدُه بالتالي مبالغ طائلة لا قدرة له على تحمّلها؛ فهو لا يملك أيّ ضمان أو تأمين، كما لا يستفيد من الخدمات الصحيّة التي تقدّمها وزارة الصحة. وبعيداً من وضعه الاجتماعيّ والصحيّ، يعيش هذا العجوز في غرفة تحت الأرض مع زوجته سلوى (69 عاماً) في منطقة برج حمود، ولا أولاد لهما. “الموت أرحم من الذلّ الذي نتعرّض له. ألا يكفي ما نُعانيه يوميّاً من صعوبات تُقصّر عمرنا؟ أحياناً أتمنّى الموت لأرتاح. نعيش في المجهول حرفيّاً… ننتظر شبح الموت وكأنّه المخلّص لنا”، يقول يوسف.

لجأ يوسف إلى دار العجزة الخاصّ بالطائفة الأرمينية في برج حمود لإيوائه وزوجته بعدما هدّدهما المالك بالطرد، إذا لم يدفعا الإيجار السنويّ الذي يُقدّر بنحو مليونَي ليرة لبنانيّة. يقول الرجل السبعينيّ لـ”المدن”: “رفضت الإدارة استقبالي أنا وزوجتي معاً لأنّني أعاني أمراضاً مختلفة تتطلّب عناية طبيّة مختصّة، وطلبت تأمين مبلغ 100$ ومليون ليرة شهرياً مقابل إقامة زوجتي عندهم، فعلى الأقلّ هي سليمة لا تُكلّفهم الكثير. وها نحن نصارع قدرنا حتّى إشعار آخر”.

“تقنين” في الكهرباء و…الطعام
فعلياً، تُعتبر دور رعاية المسنّين قليلة نسبياً في لبنان. وتقتصر مهام بعض المراكز على إيواء عدد من المسنّين، وتقديم وجبات الطعام والمنامة لهم، ومراقبة حالاتهم الصحيّة؛ وإذا توافرت الإمكانيات المالية، يُمكن تقديم الخدمات الطبيّة والتمريضيّة لهم. ولكن حتى هذه المهمّات البديهية باتت باتت تشكّل عبئاً على المؤسسات في ظلّ تدهور قيمة الليرة وتراجع نسبة المتبرّعين، من دون أن ننسى غياب دور مؤسّسات الدولة كوزارتَي الصحّة والشؤون الاجتماعيّة، الأمر الذي دفع ببعض المراكز إلى الإقفال أو إلى عدم استقبال حالات جديدة.

تشرح الأخت جنان فرح، المسؤولة العامة لدار الرحمة لـ”المدن”، الصعوبات والتحدّيات التي تواجههم اليوم في المركز الذي يضمّ نحو 300 مسنّ ومسنّة، حيث تحاول الإدارة جاهدة الحفاظ على خدماتها قدر الإمكان وبـ”اللحم الحيّ”. تقول”90% من المسنين لدينا على حساب وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعيّة، فيما الـ10% المتبقيّة تُحتسب على نفقة المريض أو المقيم الخاصّة، وهي عادةً تُقسّم بين مبلغ بالليرة اللبنانيّة، وآخر رمزيّ بالدولار الأميركيّ”. وتضيف”قبل الأزمة لم نكن نسأل عن الدفع، ولكن اليوم أصبحت المعيشة صعبة جدّاً، وللأسف نُرغم على اتخاذ إجراءات وتدابير معيّنة لنضمن استمراريتنا. مثلاً، أثقلت أزمة المحروقات كاهلنا، لا سيّما المازوت، في حين نتكبّد شهرياً نحو 35000$ لشراء هذه المادّة بهدف التدفئة وتشغيل المولّدات، فيما وزارة الصحة قدّمت لنا مشكورة حمولة مازوت مجانيّة لفترة معيّنة، بناءً على الهبات التي تلقتها من الخارج لصالح مراكز الدولة. ولكنّهم أبلغونا مؤخراً بتوقّفها. ونُعاني من نقص المياه في السنوات الأخيرة، إذْ ندفع نحو 6000$ شهرياً للصهاريج أو لشراء المياه الصالحة للشرب لا سيّما في زمن الكوليرا حفاظاً على صحّة المسنين. وأخيراً، ولعلّها المشكلة الأبرز، هناك غياب أو ندرة العاملين الذين هاجر معظمهم، أو نزحوا نحو مؤسّسات خاصّة أخرى تدفع بالدولار”، وفقاً لما جاء على لسان الأخت فرح.

تتحدّث المسؤولة عن معاناة من نوع آخر في دور العجزة، شاكيةً من أنّ “العاملين في المركز “لا يستطيعون الوصول إلى أعمالهم بسبب أزمة البنزين، في الوقت الذي لا يمكننا الاستغناء عنهم أبدًا، لأنّ المسنين بحاجة إلى متابعة بشكل دائم ودقيق، ومنهم من لا يستطيع الأكل ولا دخول المرحاض، أو حتّى المشي بمفرده”.

حجّار لـ”المدن”: الحق على المالية!
“نعلم ماذا يحدث ونتابع الأمر”، هذا لسان حال وزير الشؤون الاجتماعيّة هيكتور حجّار، الذي أكّد في اتّصال مع “المدن” أنّ وزارته “لا تتحمّل مسؤولية التأخير في دفع المستحقات لدور العجزة”، مشيراً إلى أن “المماطلة الحاصلة تقع على عاتق وزارة الماليّة التي تُحدّد سلسلة شروط لتوقيع التحويلات وغالباً ما تتأخرّ بها، وإذا استوفت تلك المراكز الشروط المطلوبة، ننتقل إلى مرحلة القبض من المصارف التي تصرف مبلغاً معيّناً لا يتخطّى الـ8 ملايين ليرة كحدّ أقصى، أيّ “بالتقسيط”، وهذه الظروف لا تُخفى على أحد ولطالما حذّرنا منها”.

بالموازاة، يشرح حجّار أن “المماطلة الراهنة في دفع مستحقات 2021 ناتجة عن الظروف العامة الاقتصادية والمالية التي وصلت سيولها إلى مؤسّسات الدولة وأرهقتها”، كاشفاً أن “وزارة الشؤون الاجتماعيّة تحاول زيادة المساعدات لدور العجزة ولكن المباحثات لا تزال قائمة حتّى الساعة مع الجهات المعنيّة الأخرى”.

وزارة الصحة
توضح الأخت جنان بأن وزارة الصحة تدفع بـ”التقسيط”، ووفق إمكانيّاتها المحدودة، للمراكز التي تُعنى بالمسنّين. أمّا الجهات المعنيّة الأخرى فغائبة عن السمع. “لم تتواصل أيّ جهة رسميّة معنا لتقديم مساعدة، حتّى أن وزارة الشؤون الاجتماعيّة لم تدفع حتّى اليوم مستحقات عام 2021. عملياً، نحن نعمل وفقاً للتبرّعات الخاصّة التي تأتينا من أصحاب الأيادي البيضاء، أو أخواتنا الراهبات في أميركا وأستراليا، اللواتي يُقدمنَ لنا الحليب، والأدوية والحفاضات. أمّا عن حالتنا الراهنة فحدّث ولا حرج، إذ نعتمد نهج “التقنين” لجهة استعمال الكهرباء، والطبخ أيضاً؛ فمثلاً نُطعم المسنّين اللحم مرّة أو مرتين كحدّ أقصى في الأسبوع، ونقتصد في الوجبات. الوضع صعب جداً، ولكن لا خيار آخر أمامنا، كي لا نصل إلى مرحلة نضطر فيها آسفين إلى نقل المسنّين إلى دور عجزة أخرى، أو اتخاذ إجراءات أخرى، مع العلم أنّ هذه الخطوة ليست بعيدة في ظلّ الانهيار المالي الذي وصلنا إليه مؤخّراً”.

بارقة أمل
وسط السوداويّة، تبقى المبادرات الشبابيّة إحدى بوادر الأمل لمساعدة المسنّين، أو أقلّه لإعطائهم أملاً بعدم الاستسلام. campaign hand one حملة أُطلقت مع بداية الأزمة الاقتصادية بسواعد طلاّب من جامعات مختلفة، يُقدّم كلّ منهم خبراته وإمكانياته لمساعدة العجزة، وتأمين مراكز آمنة لهم، أو تأهيل منازلهم لتُصبح صالحة للإقامة.

في هذا الإطار، تُشير مؤسّسة الحملة ماري-جو رحمة لـ”المدن” إلى أنّها “لم تُفكّر في الصعوبات التي قد تواجهها بقدر رغبتها الكبيرة بتقديم يد العون للعجزة الذين لا سند لهم”، مشدّدةً على أن “الحملة تقوم على التبرّعات غير الماديّة التي تصل من المغتربين أو أبناء البلد المقيمين الراغبين في إحداث تغيير حقيقيّ من دون استعراضات إعلاميّة. وحتّى الساعة، وعلى الرّغم من عمل المتطوّعين المحدود، نجحت “” campaign hand one” في مساعدة أكثر من 100 مسنّ في مختلف المناطق، عبر تقديم مساعدات غذائيّة لهم، أو تأهيل بيوتهم المدمّرة أو القديمة”.

“الظروف صعبة علينا جميعاً، ولكن هذا لا يعني أن نفقد الأمل؛ لذا قرّرنا كطلاب جامعات التضامنَ والتكافلَ لمساعدة المسنّين والأيتام بشكل خاصّ. مثلاً: أنا مهندسة أُشرف على تفاصيل إعادة تأهيل البيوت، وصديقي والده نجار وضع خبرته في خدمتنا، وصديقنا الآخر يملك متجراً لبيع الأدوات الصحيّة والدهانات، وضعه أيضاً بتصرّفنا؛ بمعنى آخر، كلّ ما نقوم به ليس إلّا مبادرة فرديّة غير ربحيّة، قرّرنا خوضها سويّاً عسانا نزرع الفرح في قلوبهم، بالرغم من كلّ شيء؛ وهذا ما حاولنا فعله خلال فترة الميلاد، حين قمنا بجولة على دور العجزة، وقدّمنا لهم الوجبات الغذائيّة، وقضينا معهم يوماً كاملاً”.

تعكس المبادرات الطلابيّة ثقافة الشباب اللبنانيّ ووعيه، ولكن هذا لا يلغي مسؤوليّات الدولة ووزاراتها المعنيّة. ولكن من نناشد وسط هذا الإنهيار العميم وتبادل رمي المسؤوليات؟