إقتصادية
الأربعاء ١٠ تموز ٢٠٢٤ - 09:54

المصدر: سكاي نيوز عربية

كيف تلبي أوروبا الطلب المتزايد على النفقات الرأسمالية؟

تواجه أوروبا تحديات كبيرة في تمويل الاستثمارات الضخمة المطلوبة للانتقال إلى الطاقة النظيفة، والبنية التحتية الرقمية، وفي قطاع الدفاع.

وعلى الرغم من وجود مجموعة كبيرة من المدخرات تقدر بـ 33 تريليون يورو، إلا أن الأسواق المالية في أوروبا غير متطورة بشكل كافٍ، كما أن قطاعها المصرفي غير قادر على تلبية الطلب المتزايد على النفقات الرأسمالية.

ولمعالجة هذه المشكلات الاستثمارية، تحتاج أوروبا إلى تطوير أسواق رأس المال بشكل أعمق، بحسب ما كتبه نائب رئيس شركة الاستشارات الإدارية أوليفر وايمان، هو فان ستينيس، في مقال له بصحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية.

يقول ستينيس إن:

حجم التمويل المطلوب هائل؛ فقد قدرت المفوضية الأوروبية أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة يحتاج إلى 620 مليار يورو إضافية سنوياً حتى العام 2030.
مع الحاجة إلى 125 مليار يورو أخرى للتحول الرقمي.
علاوة على ذلك، فإن الحرب في أوكرانيا واحتمالية فترة رئاسة ثانية لدونالد ترامب في الولايات المتحدة، يزيدان من مطالب الإنفاق العسكري.
ورغم عديد من التدخلات من البنك المركزي الأوروبي، فإن النمو في الإقراض للشركات في المنطقة منذ العام 2014 كان أقل من نصف النمو في الولايات المتحدة. وقد أزعجت الفجوة في الأداء الاقتصادي بين المنطقتين صانعي السياسات في أوروبا لفترة طويلة. ومع اتساع الفجوة، تتزايد حدة القلق.

وفي السياق، جادل رئيس الوزراء الإيطالي السابق ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي بضرورة تعبئة المدخرات الخاصة على نطاق غير مسبوق، وبما يتجاوز ما يمكن أن يوفره النظام المصرفي، وذلك قبل نشر تقريره القادم حول تعزيز تنافسية أوروبا.

يقول الكاتب إنه على الرغم من بعض التقدم، لا تزال هناك فجوة كبيرة في رأس المال المخاطر نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بين أوروبا والولايات المتحدة. فيما تمتلك الشركات الأوروبية خيارات تمويل أقل لمساعدتها على الاستثمار والنمو.

اتحاد أسواق رأس المال

ويشير إلى الدعوات المتزايدة من أجل إعادة النظر في الخطط غير المكتملة لإنشاء اتحاد أسواق رأس المال، بقيادة رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد.

ويشار في هذا السياق إلى أن تقارير حديثة تشير إلى دعم رئيس الوزراء الإيطالي السابق إنريكو ليتا والمحافظ السابق لبنك فرنسا المركزي كريستيان نويير، لهذه القضية أيضاً. لكنه يوضح أن فكرة سوق رأس مال موحد عبر أوروبا متوقفة منذ عقد، لا سيما وأن الأفكار الجريئة غالبًا ما تتعثر.

وبحسب نائب رئيس شركة الاستشارات الإدارية أوليفر وايمان، فإنه:

من المحتمل أن تجعل الانتخابات الأوروبية الأخيرة الأمور أكثر صعوبة، لذا ربما حان الوقت لتغيير التكتيكات.
لتصفية العوائق النظامية، يتعين على مهندسي السياسة التعاون مع العاملين في المجال المالي، خاصة من القطاع الخاص.
ويعتقد بأن تنشيط عملية تحويل السندات إلى أوراق مالية هو نقطة البداية، مما يتيح لشركات التأمين وصناديق المعاشات دعم نمو أوروبا.

يسمح التوريق للبنوك بنقل الأصول إلى المستثمرين، مما يحرر قدرتها على الإقراض. وهذا مهم بشكل خاص لأن البنوك توفر الغالبية العظمى من الائتمان للشركات الصغيرة والمتوسطة في أوروبا، والتي تشكل حوالي ثلثي الوظائف.

ويوضح في الوقت نفسه أن القواعد التي تمت صياغتها استجابة للأزمة المالية عاقبت التوريقات بشكل صارم ولم تتعاف السوق الأوروبية بها فعلاً. فنتيجة غير مقصودة هي أن البنوك لجأت إلى نقل المخاطر الاصطناعية المعقدة، والتي لا يمكن أن تقوم بها إلا البنوك الكبرى، مما أعاق البنوك الإقليمية.

قواعد Solvency II، التي تعد الكتاب الإرشادي لشركات التأمين، تجعل من غير الجذاب اقتصاديًا تمويل مشروع بنية تحتية طويل الأجل أو شراء حزمة من قروض الشركات الصغيرة، مما يقلل من العوائد المحتملة ويحد من التمويل المتاح.

ويرى الكاتب أنه حان الوقت لإعادة معايرة قواعد التوريق لتعكس بشكل أفضل ملف المخاطر الحقيقي للأصول، وتواكب تطور أسواق رأس المال، وتشجع الاستثمار من أجل نمو أوروبا. وبالتالي فإن الإصلاحات في قواعد Solvency II ضرورية أيضًا، إلى جانب التعديلات النظامية على إطار العمل المصرفي ومعايير السوق المالية.

ويشدد في الوقت نفسه على أنه يجب تعزيز نظام رأس المال المخاطر، واستغلال الائتمان الخاص، وإعادة معايرة القواعد المعقدة المتعلقة بالاستدامة للصناديق.

ويختتم مقاله بقوله:

قبل كل شيء، تحتاج أوروبا إلى سوق مالية أكثر مرونة وتنوعاً.
إذا فشلت خطط اتحاد أسواق رأس المال في تحقيق ذلك، فقد يؤدي ذلك إلى نمو أقل.
تحديات

‎وفي تصريحات متفرقة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، تحدث محللون متخصصون عن التحديات الأساسية التي تواجه أوروبا في تمويل الاستثمارات الضخمة المطلوبة، سواء للانتقال إلى الطاقة النظيفة، وكذلك الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، ووصولاً إلى الإنفاق على قطاع الدفاع.

من لندن، علّق الرئيس التنفيذي في مركز كوروم للدراسات الاستراتيجية، طارق الرفاعي، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، قائلاً:

أوروبا في موقف صعب في المرحلة الحالية، فيما يتعلق بتوفير التمويل اللازم للتحول في مجال الطاقة والبنية الأساسية الرقمية وقطاع الدفاع.
التحدي الأكبر أن تلك القطاعات (وهذه النوعية من الاستثمارات المطلوبة فيها) مكلفة جداً، وتحتاج استثمارات ضخمة.
وأشار إلى ما وصفه بـ “الفشل الأوروبي” في إدارة التحول بمجال الطاقات البديلة بسبب الضغوطات أو الصعوبات المرتبطة بملف التمويل.

وعليه، أفاد بأه “إذا ما طبقنا هذا الأمر على القطاعات السابقة (سواء البنية التحتية الرقمية وحتى قطاع الدفاع) فإن القارة العجوز، لن تحقق المرجو منها، والسبب الرئيسي التكلفة الباهظة.

يتطلب ذلك أفكار واستراتيجيات جديدة لتوفير التمويل، بالتعاون بين البلدان الأوروبية، وتقديم تيسيرات مختلفة لتشجيع الاستثمارات في هذه القطاعات الأساسية.

ما الحل؟

من جانبه، قال عضو المجلس الاستشاري الوطني لمعهد CISI ، وضاح الطه، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن المشروعات الكبرى في أوروبا، خصوصاً المتعلقة بمشروعات التنمية والرقمنة تحتاج إلى وقت طويل، لذلك فهي تحتاج إلى تنوع في مصادر التمويل.

وعدد الطه مصادر التمويل التي من الممكن أن تعتمد عليها أوروبا في هذا الجانب، وتشمل:

موازنة الاتحاد الأوروبي التي تسهم فيها دول الاتحاد بحصص مشتركة، ومنها جزء موجه إلى تمويل مشروعات الطاقة والبنية الأساسية الرقمية والدفاع.
المصدر الثاني بنك الاستثمار الأوروبي، وهو بنك دوره في المقام الأول منح قروض للمشروعات، ومن ثم في ظل الحاجة الماسة إلى هذا التحول من الممكن أن يلعب دوراً هاماً في هذا الجانب.
المصدر الثالث عبر إصدار السندات في أسواق المال سواء كانت سندات سيادية أو غير ذلك، فهي وسيلة هامة لتوفير التمويل اللازم لأي مشروعات هامة في أوروبا.
يُمكن أن يسهم المضي قدماً في تطوير تلك الأدوات في تعزيز مصادر التمويل القائمة، جنباً إلى جنب ومجموعة من الإصلاحات التي ينادي بها كثير من الخبراء والأكاديميين والشركات في أوروبا، لمعالجة مكامن الخلل القائمة.

شراكات اقتصادية

ولفت الباحث في العلاقات الدولية، محمد ربيع الديهي، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إلى أن دعم التحول إلى الطاقات الجديدة في أوروبا يحتاج إلى كلفة باهظة تتطلب استثمارات ضخمة من جانب الاتحاد الأوروبي، مشدداً على أن ما يميز أوروبا تعدد المصادر التي يمكن أن تعتمد عليها دول القارة في هذا الجانب، والتي يمكنها:

عقد شراكات اقتصادية من الممكن أن تسهم في توفير اللازم في هذا الجانب، وهو ما يحمل عبء نفقات تطوير هذا الجانب عن الاتحاد الأوروبي في المجمل.
باب التعاون مع الصين والولايات المتحدة مفتوح أمام أوروبا وهو بدوره سيوفر التمويل اللازم مقابل منافع اقتصادية من الممكن أن يتم الاتفاق عليها بين الجانبين.