مجتمع
الأثنين ٨ تموز ٢٠٢٤ - 17:07

المصدر: صوت لبنان

ندوة “الاتجاهات الحديثة لعلوم الاعلام” لـ “الرابطة العربية”: النظريات الاعلامية لم تسقط بل تحتاج الى مقاربات جديدة لفهم السياق العام

 

تواصل “الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال” نشاطاتها العلمية عبر زوم. إذ عقدت ندوة بعنوان ” الاتجاهات الحديثة لبحوث الإعلام والاتصال” شارك فيها كل من رئيسة الرابطة الدكتورة ميّ العبدالله وعميدة كلية الاعلام في جامعة النهضة في مصر الدكتورة هبة الله السمري والدكتور كاظم المقدادي .
رحبت الدكتورة العبدالله بالمشاركين الذين يتابعون هذه الندوات التي تناقش مواضيع مهمة في المجال الاعلامي، وأثنت على ضرورة الحوار والنقاش حول النظريات الإعلامية التي باتت تحمل إشكاليات تثير الجدل في البحوث الإعلامية.
هبة الله السمري
ألقت الدكتورة السمري محاضرة قيّمة بعنوان ” اتجاهات البحوث الاعلامية الحديثة” أكدت فيها أن “بحوث الاعلام في العصر الحديث تتسم بالدينامية والتطور السريع، نتيجة لتزايد تأثير التكنولوجيا الرقمية وتنوع وسائل الاتصال. ويعكس هذا التطور الحاجة الى الى فهم أعمق لتأثيرات وسائل الاعلام على المجتمع والفرد، وتبني أساليب بحثية جديدة تستجيب لهذه التحولات”. وأشارت الى النظريات التي تمّ تطويرها ومنها نظرية الاستخدامات والاشباعات ونظرية الغرس الثقافي، وعددت نظريات الاتصال الحديثة ومنها نظرية الحتمية التكنولوجية، نظرية الحق العام، نظرية المشاركة التفاعلية، نظرية الشبكات الاجتماعية ونظرية التجسيد الاعلامي.
كما تحدثت عن كيفية تأثير الاعلام على وعي الجمهور في القضايا الصحية والتواصل في الأزمات مثل جائحة كوفيد – 19 . وطرحت العديد من القضايا الأساسية لا سيما منها الاعلام والديمقراطية، الاعلام والثقافة، تأثير التكنولوجيا الرقمية والبيانات الكبيرة والتحليل الكمي لتحليل الأنماط والهيكليات في شبكات التواصل الاجتماعي.
واعتبرت السمري أن النظريات الحديثة لها أهميتها في تطوير استراتيجيات تواصل أكثر فعالية وتفاعلية مع الجمهور، تقديم إطار نظري للباحثين لدراسة تأثير وسائل الاعلام الجديدة وتفاعلات الجمهور معها، كما انها تساعد في تفسير كيفية تأثير التكنولوجيا الحديثة على وسائل الاعلام والسلوك الاجتماعي، كما انها توفر فهمًا عميقًا للعلاقات المتشابكة بين وسائل الاعلام والتكنولوجيا والجمهور في عالم يتغير بسرعة بسبب التقدّم التكنولوجي.
وشرحت باسهاب الاتجاهات الحديثة في اختيار عينات البحوث الاعلامية، بحيث يتمّ استخدام البيانات الضخمة المتاحة من وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث لتحليل الاتجاهات والميول، ما يساعد في اختيار عينالت ممثلة وأكثر تنوعًا. ورأت ان العينات العشوائية الاحتمالية هي الأفضل في البحوث الاعلامية لإمكانية تعميمها على مجتمع الدراسة.
وركزت السمري على العديد من أنواع التحاليل ومنها تحليل المشاعر الذي يمثل أداة قوية في مجال بحوث الاعلام، ما يمكّن الباحثين والعاملين في هذا المجال من فهم أفضل لرأي الجمهور وتحسين استراتيجيات التواصل والمحتوى الاعلامي. وعددت الخطوات لإجراء تحليل المشاعر من تحليل الألفاظ واستخراج السمات لتحضير النصوص للتحليل، تحضير البيانات وتنسيق النصوص، جمع البيانات من مصادر مختلفة، استخلاص الاستنتاجات، تحليل النتائج الى تصنيف المشاعر من إيجابية وسلبية ومحايدة.
وخلصت الى أهمية دراسة العلاقات بين الأفراد والجماعات داخل الشبكات الاجتماعية لفهم تأثيرات وسائل الاعلام بشكل ادق، التعاون بين المؤسسات البحثية وتعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية للحصول على عينات أكبر وأكثر شيوعًا وصولاً الى التنوع الثقافي والجغرافي والاهتمام بتمثيل التنوع الثقافي والجغرافي في اختيار العينات لضمان نتائج بحثية أكثر شمولية ودقة.
ميّ العبدالله
ثمّ ألقت الدكتورة ميّ العبدالله محاضرة بعنوان “المقاربات الحديثة في فلسفة التواصل الاجتماعي في ظل تحولات المشهد الاتصالي العالمي”، مشيرة الى مواءمة مواضيع الاعلام والاتصال مع الأسئلة الفلسفية لمساهمتها في التفكير المعرفي. ولفتت الى أن الباحثين ركزوا على أربعة مسائل أساسية مشتركة بين علوم الاعلام والاتصال والفلسفة وهي : الانفتاح الادراكي للعالم، الفكر والذكاء، مكانة اللغة وحدود المعرفة.
وأثنت على مسألة المعرفة لأنه لا يوجد اتصال دون الانفتاح الادراكي العام، مشيرة الى مدرسة باولو ألتو التي وصفت الانفتاح على الآخرين بأنه نوع من الانفتاح على العالم وتعتبر هذه المدرسة أن الفرد البشري هو نظام مفتوح وفي تفاعل مستمر مع الآخرين وبيئته حيث يتبادل معهم المواد أو الطاقة أو المعلومات، فهو يتعرض للأحاسيس التي تسمح له باكتساب أفكاره الأولى.
وبينت العبدالله وجود مفردات الفلسفة، الخصائص،السمات والأنطولوجيا في علوم الاعلام والاتصال، كذلك تفسير المواقف المعرفية ، التحليل النفسي ودور القياس والعلوم الطبيعية والتأويلية عند علماء الاتصال، إذ اعتُبرهذا الأخير قضية علمية وسياسية رئيسية في القرن الحادي والعشرين وهو يتطلب بالفعل جهدًا هائلاً من المعرفة لجعل الاختلافات الثقافية والاجتماعية والدينية التي تزيد من صعوبات التفاهم المتبادل بين الناس أكثر وضوحًا.
وأضافت: إن التحرر الفردي والجماعي منذ القرن الثامن هو في قلب النموذج الغربي الحالي الذي نسميه “المجتمع الفردي الجامعي” والذي يجب ان يتعامل في نفس الوقت مع إرثين متناقضين من فلسفتنا السياسية: حرية القرن الثامن عشر والمساواة في القرن التاسع عشر. لذلك، فإن المعلومات والاتصالات هي قيم مركزية للغرب وموضوع للتقدّم التقني الى جانب التحديات الاقتصادية. وسألت : فما هي العلاقة المتبقية اليوم بين أحلام التفاهم وإعادة التنظيم الهائلة للاقتصاد الرأسمالي تحت اسم “مجتمع المعلومات”؟ هل مجتمع المعلومات هو المثل الأعلى لمجتمع ديمقراطي على نطاق عالمي أم هو في الواقع الغطاء الايديولوجي لاقتصاد المعلومات العالمي؟ هل الوجود المطلق للمعلومات والاتصالات على المستوى العالمي يكفي لضمان مجتمع عادل ومتكافئ ومتواصل؟
وأجابت باسهاب بـ”أننا نسبح في المتاهة بسبب هذا الوضع المزدوج للتواصل ، إذ هو في الوقت نفسه قيمة اساسية وأداة للنمو الاقتصادي ، مما يجعله أحد التحديات الرئيسية للمستقبل، هذا يتطلب عملاً نقديًا لواقع مرحلة جديدة من تاريخ الاقتصاد هو “اقتصاد المعلومات”حيث المسألة العلمية والمعرفية هي الأساس”.
وأوضحت أنه بعد أعادت الفلسفة السياسية اكتشاف الاهتمام بالديمقراطية التعددية ، اكتشفت مفاهيم الفضاء العام وإشكالية الجدل وبالتالي مسألة التفاهم المتبادل. كما أثارت مؤشرات فضاء الاتصال والاعلام الجديد فضول الباحثين بمتابعة ظواهر الحياة الاجتماعية وملاحظة التغييرات المتتالية وخاصة التأثيرات الحاصلة في سلوك الناس والتي كانت تبدو كنتيجة للتعرض لمضامين وسائل الاعلام واستعمالها في أوضاع مختلفة.
كما تطرقت الى الكثير من القضايا التي تتداخل في العصر التكنولوجي ، وشرحت أهمية المتلقي في العملية الاتصالية، بناء المعنى وقراءة الصورة، وتلقي الرسائل الاعلامية. كذلك طرح مفاهيم جديدة في فضاء رمزي أكثر، ومرحلة ما بعد الحداثة التي تتطلب دراسة الجمهور وإعادة التفكير بالمتلقي الداخل بفعل اجتماعي وثقافي عام، الى تركيز أكثر على الأبعاد الجديدة في المنظور الثقافي.
ودعت الى إعادة تحديد المصطلح والمفهوم للنظرية لأنه بات يحمل جديدًا وتغييرًا يستلزم التوضيح والتفسير، إذ ان النظرية لم تسقط بل عرفت مفهومًا جديدًا ومقاربة جديدة لفهم السياق .
كاظم المقدادي
وجاء في مداخلة الدكتور كاظم المقدادي: “على ضوء التحولات الكبيرة في علوم الاتصال، ومع تزايد الوعي بأهمية دراسة النظم الكلية بعد ظهور الإعلام الرقمي ، وبروز بيئة رقمية جديدة ساهمت بإشاعة مفاهيم وأنساق في انتاج المعنى لأصول البحث العلمي وأطره المنهجية، برزت الحاجة لتجاوز الفجوة القائمة بين ما يقدمه الباحث على مستوى العالم، وما ينتج محليا من دراسات تعتمد أصلا على تفاعلات النظريات والمفاهيم العالمية، وضرورة الإفادة منها في حل المشاكل الناجمة من الاختلافات البيئية في انتاج المعرفة البحثية وتطوير المفاهيم “.
وأضاف الدكتور المقدادي: “لا بد من التأكيد على فكرة اجمع عليها معظم العلماء والخبراء في الحقل الإعلامي وهي “ان البحث العلمي يعد المصدر المناسب والوحيد لإنتاج المعرفة الإنسانية “، وان هذه المعرفة تتأثر بشكل مباشر بالطرق والأساليب التي تصنعها، وايضاً بتحولات البيئة مجال البحث، ونوعية وشكل العينات وتقصي مقدار درجات الصدق التي تعبر عنها من خلال ما تتركه من اجوبة تترك على مساحات ورقية من الاستبانة العلمية “.
ورأى أن هناك بعض الإشكاليات ، تتعلق باعتماد المنهج الوصفي الكمي بشكل واسع وكبير، في معظم الجامعات وكليات ومعاهد واقسام الإعلام في الوطن العربي، هذا وحده يجعلنا امام عمل روتيني، يعطل عقول طلبة الدراسات العليا، وتبين لنا ان نتائج هذه البحوث كثيرا ما تنتهي بنتائج متقاربة ، والسبب له علاقة بعدوى الأخذ من البحوث القديمة، او الاعتماد على شكل ونوع البحوث الحديثة المتقدمة، دون تجاوز العيوب التي تصاحب تطبيقات المنهج الوصفي الكمي”.
وأكد المقدادي “نحن اليوم امام جدية الطرح والبحث عن منهج ثالث يتناسب وطبيعة التطورات السريعة والمذهلة في تكنولوجيا الاتصال ، وطبيعة المتغيرات الاجتماعية المذهلة بفعل الثورة الرقمية. والحقيقة ان كل المناهج العلمية اعتمدت بالأساس على علم الاجتماع، وليس على العلوم الانثروبولجية الحديثة . وقد لاحظت في التقصي الذي أجريته، ان هناك دراسة جديدة أطلق عليها ( التتبعية) تعمل على تفكيك المتغيرات الأساسية للظاهرة بشكل استقصائي ، ومن خلال قراءاتي الأنثروبولوجية واهتمامي بهذا العلم الحديث ، وجدت ان الذين عملوا وفق هذا المنهج العلمي قد وصلوا إلى نتائج مذهلة تغنيننا الاعتماد على المناهج المألوفة واستخداماتها بشكل مستنسخ ، بعيدة عن جدوى الابتكار والتطور المستمر الذي هو سمة علم الاتصال “.
وختم مداخلته بـ”علم الأنثروبولوجيا يساعدنا على تجاوز كل العيوب التي وجدناها في المناهج الوصفية والكيفية والتجريبية. ولا بد من الأخذ به بدلا من علم الاجتماع لتطوير اتجاهات الدراسات العالمية “.
وانتهت الندوة بنقاش بين الأساتذة، على أمل اللقاء بندوة تستتبع إشكالية النظريات الاعلامية.