صحة
الجمعة ١٧ تموز ٢٠٢٦ - 15:16

المصدر: Independent عربية

أكل المطاعم في العالم العربي… لا هناء ولا شفاء أحيانا

حين تنتهي وجبة في مطعم بإقامة ليلة أو ليلتين في الرعاية المركزة، وحين تتنكر عبوات البيض الورقية في صورة “حواوشي” رهيب، وحين تعرف لحوم الكلاب أو القطط أو الحمير طريقها إلى الكفتة المشوية الشهية، أو يأكل الزبون خضراوات أكل عليها العفن وشربت عليها البكتيريا ويهضم بكوب من العصير مع قليل من التيتانيوم، وحين يقرر صاحب المطعم أن يضع فاتورة الكهرباء في كفة، وصحة الزبون في الأخرى، فيختار الأولى وليذهب الزبون إلى الطوارئ أو قسم السموم أو مثواه الأخير، فإن هذا يعني أن سلامة الغذاء في خطر، وأن تناول الطعام خارج البيت قد يحتاج إلى وثيقة تأمين على الحياة، أو رقابة أفضل على المطابخ والعمال والمكونات، أيهما أوقع.

 

جولات “اندبندنت عربية” على المطاعم في مدن وقرى عربية كشفت كثيراً من أوجه الشبه لحد التطابق. الشاورما لم تعد فقط هذه الرقائق من اللحم أو الدواجن المسيلة للعاب لفرط حلاوتها وروعة “ثوميتها”، بل أصبحت لفائف متفجرة، وكل آكل وحظه. القوانين وفيرة، والنصوص ثرية، والرؤى التشريعية ثاقبة، إلا أن الفساد يقف لها بالمرصاد، والرشاوى قادرة على تليين القلوب والعقول ودفاتر المخالفات، والالتفاف على اللوائح حاضر وطاغ، والنجاة بالنفس والمطعم والبيزنس سيد القطاع.

 

وحتى في الدول التي أنجزت الكثير على طريق ضبط المطاعم، وربط سلامة الغذاء، والتأكد من أن “كل شيء تمام”، تأتي المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر المتمثلة في وجبات يجري إعدادها في مطابخ البيوت، أو تلك التي يبيعها باحثون عن مهرب من بطالة عبر بيع الوجبات الخفيفة والمشروبات من صندوق سيارة يغلق حال وقوع تفتيش مفاجئ أو تدقيق مباغت، لتعيد سلامة الغذاء إلى المربع صفر.

 

وبين هذه الأخطار، وتلك المجازفات، تقف سلامة الغذاء في غالبية الدول العربية في حيرة من أمرها أمام هذا العدد الضخم من جهات التفتيش، ومؤسسات الرقابة، والوزارات المسؤولة عن الملف، لدرجة أن دم المصاب بالتسمم الغذائي يتفرق بين تضارب الاختصاصات حيناً، وإنكار المسؤولية حيناً آخر، والتحجج بضرورات “أكل العيش” دائماً وأبداً.

 

مصر… السر في التتبيلة

سلامة الطعام، أو بالأحرى اعتلاله، منظومة تجد نفسها حائرة بين طرفي نقيض في مصر: الأول زيادة الوعي الشعبي به مع جهود حكومية للمراقبة والمحاسبة “قدر الإمكان”، والثاني توليفة من صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي تدفع البعض إلى استهلاك طعام غير معروف المصدر أو المشاركة في منظومة بيعه وشرائه، مع قدر من الفصل التام بين التدين العارم الطاغي من جهة واعتبار فساد أو سوء مكونات الطعام من جهة أخرى أمراً براغماتياً بحتاً، أو شأناً عملياً يخضع لقواعد السوق والسوء لدى الكبار من أصحاب المطاعم والمحلات ومورديها، حيث هذه نقرة وتلك أخرى، إضافة إلى بقايا سلبية من عصر تضارب اختصاصات الرقابة الحكومية وقت كانت منظومة الرقابة لضمان صحة المصريين هائمة على وجهها ضائعة مشتتة بين وزارات الصحة والتموين والزراعة والصناعة، ورجال الدين.

 

كريم وزوجته وأبناؤهما الثلاثة أصيبوا بتسمم غذائي قبل أسابيع. في اليوم السابق، تناولوا وجبة الإفطار في مطعم فول وفلافل شهير في مصر الجديدة، ووقت الغذاء أكلوا سندوتشات شاورما من فرع المهندسين لسلسلة مطاعم شهيرة، وتناولوا رزاً بلبن وآيس كريم من محل مجاور، وبين الوجبات توقفوا لتناول شاي وقهوة وكابتشينو من سيارة متنقلة على جانب الطريق.

 

رغبة كريم المحمومة ليتقفى أثر التسمم أحبطها تعدد مصادر الأكل، ومن ثمّ صعوبة تحديد أية وجبة أو مشروب كان السبب من جهة، قبل أن تجهز عليها وتجهضها تماماً رحلة البحث عن الجهة المسؤولة التي يمكن اللجوء إليها للإبلاغ.

 

بين الإدارة المركزية لمراقبة الأغذية في وزارة الصحة والسكان، وجهاز حماية المستهلك، ووزارة التموين والتجارة الداخلية، وقسم الشرطة، والهيئة القومية لسلامة الغذاء، وجد نفسه مشتتاً غير قادر على اللف والدوران والسؤال، بينما يتعافى وأسرته.

 

آخرون كانوا أوفر حظاً، وإن كانوا أقرب إلى الموت جراء التسمم الشديد الذي أجبر أقاربهم على نقلهم إلى مستشفى لإنقاذ أرواحهم، وهو ما استوجب إبلاغ الشرطة لاتخاذ اللازم، وهو ما أدى إلى الوصول إلى المطعم المقصود. قبل نحو أسبوعين، أصيبت أم وأبناؤها بتسمم شديد، نقلوا على إثره إلى المستشفى، ما أدى إلى القبض على صاحب مطعم شهير في شرق القاهرة.

 

جرى عرف انعدام سلامة الغذاء، وتضرر البعض جراء الإصابة بالنزلات المعوية أو التسمم أو غيرها من أشكال المرض، وربما الوفاة، أن يتم التعامل مع الواقعة عبر تطبيق نصوص قانون “الغش والتدليس”، التي تتراوح بين إغلاق وتشميع، أو دفع غرامات، أو سجن مدة لا تقل عن سنة.

أستاذ القانون في كلية الحقوق جامعة العاصمة (حلوان سابقاً) فرج الخلفاوي، شرح في ورقة عنوانها “الغش التجاري بين التشريع وموت الضمائر”، كيف أن “الغش التجاري ظاهرة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية أفرزتها حركة التطور في مختلف جوانب الحياة التجارية والاستهلاكية، فكما أن للتطور آثاراً إيجابية على الأفراد والمجتمع، فإنه وفي المقابل له آثار أخرى سلبية، أبرزها الغش التجاري، الذي أصبح ظاهرة عالمية واسعة”.

 

يقول إن المشرع المصري أدرك خطورة التدليس والغش منذ بداية أربعينيات القرن الماضي، فأصدر في شأن مكافحته القانون رقم 48 لسن 1941 بشأن قمع الغش والتدليس، وجعل نطاقه شاملاً لكل السلع، بما في ذلك أغذية الإنسان والحيوان والعقاقير والنباتات الطبية والأدوية والحاصلات الزراعية والمنتجات الطبيعية والصناعية. وظل المشرع يطور ويعدل ويضيف نصوصاً لتواكب التغيرات الحادثة في المجتمع، وجزء منها أدوات وأساليب الغش والتدليس.

 

القوانين كثيرة، والعقوبات متعددة ومتدرجة، وذلك بحسب حجم الضرر. فمن الغش أو حيازة مواد مغشوشة، لكن لم تتسبب في ضرر صحي جسيم إلى الأغذية الضارة بالإنسان، التي تثبت التحاليل الرسمية أنها تحتوي على مواد سامة أو ميكروبات تشكّل خطراً مباشراً على الصحة، إلى تسبب الطعام في عاهة أو إعاقة دائمة أو وفاة، تتدرج العقوبات القانونية. بين غرامات وإغلاقات وسجن يتراوح بين سنة، وقد يصل إلى المؤبد في حال حدوث وفاة أو أكثر.

 

وتتراوح العقوبات التكميلية بين مصادرة الأغذية المغشوشة وإعدامها، وغلق المطعم أو المقهى وتشميعه وسحب ترخيصه، ونشر الأحكام الصادرة في حقه في صحيفتين واسعتي الانتشار على نفقة المحكوم عليه.

 

ويتبقى هامش المسؤولية غير العمدية، التي يعاقب عليها القانون المصري كذلك، حتى لو لم يتعمد المطعم الغش، التي تكون ناجمة عن الإهمال، أو عدم اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لضمان سلامة الأغذية، أو ضعف الرقابة على المخازن والعمال والنظافة الشخصية.

 

وفي مصر، ومع توسّع ظاهرة عربات الأكل والشرب في الشوارع والميادين والحارات، وغالبيتها لا تخضع للرقابة أو التأكد من اتباع المعايير، تجد القلة المطالبة بإخضاعها للرقابة الحكومية نفسها في مواجهة اجتماعية نفسية عنيفة أمام الغالبية، التي ترى أن فرض الرقابة وتطبيق القواعد على هذه العربات، أو المشروعات المتناهية الصغر هو تعنت موجه ضد الفقراء، أو مبالغة في تطبيق القانون على البسطاء، أو خطوة ينبغي أن توضع في ذيل الأولويات، لأن أصحاب هذه المشروعات “غلابة”.

 

عربة الـ”سوشي” حيث لفافات الرز والأسماك النيئة تباع نهاراً جهاراً في درجة حرارة تفوق الـ 40 درجة مئوية ومن دون براد. سندوتشات الكبدة الإسكندراني والسجق البلدي يأكلها القاصي قبل الداني على هذه العربة التي تأتي ظهراً وتنصرف مساءً من دون أن يعرف أحد عنوان صاحبها أو مصدر المكونات. أما “أكسسوارات البهائم” من فشة وكرشة ولسان وممبار، التي تنفد في لمح البصر، فتظل علامة من علامات شوارع المناطق الشعبية، وسراً من أسرار السعادة والبهجة، إن لم يكن بسبب حلاوتها وقدراتها الفائقة على الإشباع، فبسبب عدم الاكتراث بمعرفة أصلها وفصلها وكيفية تجهيزها.

 

يمكن القول إن هذا القطاع من “المطاعم” المتنقلة أو التي يقتصر وجودها على عربة أو طاولة أو فرشة في الشارع، خارج منظومة الضبط الغذائي والربط الصحي. وضمن هذا القطاع غير المنظم الغائب عن الرقابة على رغم الانتشار الكبير، مشروعات تجهيز وجبات في البيوت من دون شهادة أو ترخيص أو زيارة مفاجئة من مفتش أو قياس دوري لدرجة حرارة أو ظروف تخزين. المعياران الوحيدان في منظومة “مدام شيماء للمحشي والفطائر” و”الحاجة أسماء وطواجن الفرن” هو ضمير شيماء وسريرة أسماء. وما عدا ذلك، فهو ستر من السماء ونجاة من الأقدار.

 

نظرياً، يخضع هذا القطاع للمراقبة والمحاسبة. فعلياً وواقعياً، هو أبعد ما يكون عن ذلك لأسباب لوجيستية ومنطقية واجتماعية، فإذا كان كريم وزوجته وأبناؤه فشلوا في الوصول إلى الجهة التي ينبغي إبلاغها بحدوث التسمم، على رغم إنهم ينتمون لقمة الهرم الطبقي، وتناولوا ما أكلوه وشربوه في أرقى المنافذ وأغلاها، فإن عربات الأكل وطاولاتها وفرشاتها المنتمية إلى قاعدة الهرم بعيدة من العين، وسهولة الوصول، عقب الإبلاغ، والإبلاغ من أصله في حال حدوث تسمم أو نزلة معوية أو غيرها.

 

وسواء خضع الشخص المصاب بالتسمم أو النزلة المعوية أو غيرها نتيجة تناول طعام غير صالح للاستهلاك الآدمي للراحة بضعة أيام، أو دخل مستشفى لتلقي العلاج، فقد تقرر في عام 2017 تأسيس “الهيئة القومية لسلامة الغذاء” في مصر، وتتبع رئيس الجمهورية مباشرة، بهدف توحيد جهات الرقابة على الغذاء، وبدأت في ممارسة مهامها في عام 2019، وذلك بعد صدور لائحتها التنفيذية.

 

وأخيراً ومع اشتداد درجات الحرارة، واستعداد المشروب الشعبي الأول في مصر لتبوؤ مكانته المرطبة على القلوب الحنونة على الجيوب، إذ بجهاز حماية المستهلك يصدم المصريين بأن “عصير القصب فيه سم قد يكون قاتلاً”، وهو مادة ثاني أكسيد التيتانيوم” الخطرة والمحظورة.

 

السعودية… وجبة في الطوارئ

تحوّل وجبة إلى رحلة طوارئ أمر غريب، لكن ليس فريداً. في السعوية، لم تتوقع الشابة إلهام (22 سنة) أن تؤدي وجبة تناولتها في مطعم إلى ثلاثة أيام في المستشفى، بدأت بآلام حادة في البطن، ونوبات متكررة من القيء والإسهال، وانتهت بتدهور حالتها واضطرارها لمراجعة قسم الطوارئ.

 

تروي إلهام تفاصيل ما عانته من آلام مبرحة في البطن، قبل أن يشخص الأطباء حالتها على أنها نزلة معوية حادة، ثم خضعت لإجراءات علاجية شملت تنظيف المعدة وتعويض السوائل، وبقيت تحت الملاحظة والعلاج ثلاثة أيام، واستمرار الأعراض لأيام كثيرة.

 

تستقبل أقسام الطوارئ في المستشفيات السعودية حالات مشابهة بصورة متكررة. حالات تسمم غذائي تتفاوت في شدتها، بعضها يغادر بعد ساعات من العلاج، بينما يحتاج بعضها إلى أيام عدة، لا سيما الأطفال وكبار السن والحوامل والمصابين بالأمراض المزمنة.

 

يؤكد طبيب طوارئ، فضّل عدم ذكر اسمه، أن حالات التسمم الغذائي تزيد بصورة ملحوظة في أشهر الصيف، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة احتمالات فساد الأغذية إذا لم تُحفظ أو تُنقل وفق الاشتراطات الصحية. ويشير إلى أن معظم الحالات تتعافى بعد العلاج، لكن هناك حالات تحتاج إلى التنويم نتيجة الجفاف أو شدة الأعراض، لا سيما بين الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

 

ويضيف أن “أعراض التسمم الغذائي تبدأ غالباً بآلام البطن والغثيان والقيء والإسهال، وقد تتطور إلى مضاعفات تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً، لذلك فإن سرعة مراجعة الطوارئ عند اشتداد الأعراض تساعد في الحد من المضاعفات وتقديم العلاج المناسب في الوقت المناسب”.

 

على رغم أن كثيرين يربطون التسمم الغذائي بفساد الطعام، فإن المختصين يؤكدون أن المشكلة غالباً تبدأ قبل وصول الوجبة إلى المستهلك. الحفظ في درجات حرارة غير مناسبة، وانقطاع الكهرباء، وانتقال التلوث بين الأغذية النيئة والمطهية، وانعدام النظافة الشخصية للعاملين، كلها عوامل تهيئ البيئة المناسبة لنمو البكتيريا والفيروسات المسببة للأمراض. كذلك إعادة تسخين الطعام بطريقة غير صحيحة، أو تركه خارج البراد لفترات طويلة، أمور تزيد من احتمالات التلوث، حتى وإن بدا الطعام صالحاً للاستهلاك من حيث الشكل أو الرائحة.

 

وفقاً للوائح البلدية في السعودية، تُلزم المطاعم والأنشطة ذات العلاقة باتباع اشتراطات محدثة تهدف إلى رفع مستوى الالتزام بمعايير النظافة والصحة العامة، وتعزيز رضا المستفيدين. وهناك جدول محدّث لعقوبات المخالفات الغذائية، يتضمن غرامات متفاوتة ما بين جسيمة وغير جسيمة، وتصل أحياناً إلى إغلاق المنشآت التي تشكل خطراً مباشراً على الصحة العامة. وتأتي هذه الإجراءات في إطار “حماية المستهلكين، وضمان العدالة والامتثال، وتطوير آليات رقابية وتشريعية أكثر فاعلية للحد من المخالفات، وضمان الالتزام بالمعايير الصحية والبلدية”، بحسب قائمة وزارة البلديات والإسكان السعودية.

داخل المطاعم تبدأ رحلة أخرى لا يراها المستهلك، تبدأ بتسلم المواد الخام والتأكد من صلاحيتها، ثم حفظها في درجات حرارة مناسبة، قبل الانتقال إلى مراحل التحضير والطهي والتقديم.

 

يقول إبراهيم (عامل بأحد المطاعم) إن سلامة الغذاء تبدأ منذ لحظة تسلم المواد الغذائية، إذ يجري التأكد من صلاحيتها وقياس درجات حرارتها قبل إدخالها إلى المخازن، مع متابعة درجات حرارة الثلاجات بصورة مستمرة. ويضيف أن العاملين يتلقون تدريباً دورياً على النظافة الشخصية، وغسل اليدين، ومنع انتقال التلوث بين الأغذية النيئة والمطهية، مؤكداً أن الالتزام بهذه الإجراءات يعد جزءاً أساسياً من جودة الخدمة وثقة العملاء.

 

وفي إطار الالتزام بالاشتراطات الصحية، تتسابق المؤسسات الطبية الخاصة في الرياض على تقديم عروضها للمنشآت الغذائية، لفحص عمالتها، استجابةً لمتطلبات الجهات الرقابية. مثلاً، يوضح مجمع الطائف الطبي الواقع في أحد أحياء الرياض، أنه يوفر الفحوص اللازمة مدعمة بالمستندات الرسمية التي تثبت “خلو العاملين من الأمراض المعدية التي قد تؤثر في صحة المستهلكين أو سلامة المنتجات الغذائية”. وتُطلب هذه الشهادة من العاملين في القطاعات المرتبطة بإعداد وتقديم الطعام، مثل المطاعم والمقاهي، للتأكد من أهليتهم للعمل في بيئة تتطلب التزاماً صارماً باشتراطات الصحة والسلامة العامة.

 

وتشدد جهات الرقابة على المطاعم في أمانة منطقة الرياض على أهمية التزام المنشآت بالاشتراطات الصحية والبلدية، وتطبيق معايير سلامة الغذاء في جميع مراحل إعداد وتخزين وتقديم الأغذية، حفاظاً على صحة الجميع.

 

تقول أمانة منطقة الرياض إنها أغلقت منشأتين لتقديم المشروبات وضبطت 26 مخالفة متنوعة تهدد الصحة العامة قبل أشهر، وذلك إثر جولة تفتيشية انطلقت بناءً على بلاغات سكان العاصمة عبر تطبيق “مدينتي” يفيد بتدن في النظافة وتشغيل عمالة بلا شهادات صحية. وكشفت الفرق الميدانية عن تجاوزات وصفتها بالجسيمة في المنشآت المخالفة، شملت “سوء حفظ وتخزين المواد الغذائية، وعرض أو استخدام لحوم تظهر عليها علامات التلف والفساد، ووجود آفات حية أو ميتة”، فضلاً عن ممارسة النشاط من دون ترخيص.

 

وفي إطار الحسم الرقابي، قالت الأمانة إنها فرضت إجراءات صارمة تضمنت فرض غرامات مالية وتوجيه إنذارات، مؤكدة أن “البلاغات عبر تطبيق (مدينتي) تمثل عنصراً أساسياً في نجاعة الحملات الرقابية”، ومشددة على استمرار جولاتها التفتيشية لحماية المستهلكين وامتثال الخدمات في العاصمة للمعايير الصحية والبلدية.

 

في المقابل، فإنه على رغم هذه الإجراءات الحازمة، إلا أن الشكاوى من تهاون بعض المطاعم في تطبيق الاشتراطات الصحية منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، وإن سجّلت تراجعاً ملحوظاً بعد تسجيل حالات تسمم قبل نحو عام، التي تحولت إلى قضية رأي عام، وتسببت في إغلاق سلسلة مطاعم شهيرة بعد انهيار ثقة المستهلكين بها.

 

العراق… قوانين متهالكة

وعكس تشريعات مصر الكثيرة، التي تعاني بين الحين والآخر وهن التطبيق، ومنظومة السعودية للشكاوى عبر الأرقام الساخنة والتطبيقات الرقمية، تعاني التشريعات الخاصة بعمل المطاعم في العراق عرضين رئيسيين: قلة التشريعات، وإن وجدت، فلا تتناسب والزيادة الملحوظة في اتساع عمل هذا القطاع في السنوات الأخيرة. ويعد التشريع الذي صدر في عام 1984 من التشريعات التي نظمت منح إجازات لفتح المطاعم، وهو المعروف بـ”إجازة عمل الفنادق والمطاعم والمقاهي الشعبية والإشراف عليها”.

 

تنص التعليمات الصادرة في هذا التشريع على مساحة المطاعم، والحدود الدنيا للأسعار، فضلاً عن الشروط الصحية الواجب الالتزام بها لفتح المطعم والمقهى، لكن هذه القوانين لم تعد ملائمة لتنوع المطاعم وانتشارها، إذ لا يمكن مقارنة عام 1979 وقت كان مجمل المطاعم في العراق 170 مطعماً بالعام 2026، إذ يصل عدد المطاعم المجازة في بغداد وحدها 2400 مطعم، والعدد الكلي من المطاعم غير المجازة نحو تسعة آلاف مطعم.

 

تأسست “رابطة المطاعم العراقية” في عام 2019، كنوع من التكافل الاجتماعي مع حراك أكتوبر، وهي الحركة التي انطلقت بعد عام 2003 لرفض ومعارضة الواقع السياسي العراقي.

 

قدمت الرابطة، بالتعاون مع المطاعم الوجبات المجانية للمتظاهرين، ومنحت إجازات طويلة الأمد للعاملين في المطاعم من المتظاهرين، ومع أزمة كورونا بذلت الرابطة جهود ضغط من أجل السماح للمطاعم بالعمل في هذه الأزمة في مجال توصيل الطعام ملتزمة بفكرة التباعد الاجتماعي.

يصف رئيس رابطة المطاعم العراقية أنس الصراف قطاع المطاعم في العراق بـ”المستضعف والملتزم”، فالمطاعم تعمل وفق قوانين ليست ميسرة لتسجيلها رسمياً، فضلاً عن أن الحصول على الإجازات الصحية ليس بالأمر السهل. يقول: “على سبيل المثال، لا يجوز استخدام الاسم الأجنبي لتسجيل المطعم، فنضطر إلى السفر للخارج لتسجيل اسم المطعم وإدخاله للعراق كـ(براند) عربي أو عالمي، فالقانون يسمح بتسجيل الاسم الأجنبي إذا كان وافداً من دول أخرى، ولا يسمح لما هو محلي”.

 

بعد حصول المطعم على اسم تجاري من اتحاد الصناعات العراقي أو من غرفة تجارة بغداد، تبدأ رحلة استصدار الإجازة الصحية للمطعم من كل من وزارة الصحة وهيئة السياحة في حال كان المطعم سياحياً.

 

يشير أنس الصراف إلى أن مختبر الصحة المركزي في وزارة الصحة يقوم بأخذ عينات شهرياً من اللحوم والصلصات، فضلاً عن الفحص الدوري للعاملين لضمان خلوهم من الأمراض الانتقالية والتدرن. أما اللحوم، فيجب أن يكون مصدرها مجازر مجازة صحياً. ويضيف: “زادت قيمة الفحوص الطبية من 60 ألف دينار عراقي (45 دولاراً) إلى 250 ألف دينار عراقي (191 دولاراً)، ما أدى إلى ارتفاع أجور الإجازة الصحية للمطعم لتصل إلى 1.5 مليون دينار عراقي، أي نحو 1145 دولاراً أميركياً.

 

كذلك تشترط القوانين لاستيفاء شروط منح الإجازة الصحية للمطعم دفع أجور الهواتف الأرضية التي تعطلت وانتهى العمل بها في عام 2003، وهو ما يدفع أغلب المطاعم للتهرب من الإجراءات. وتشير الإحصاءات أن نحو 75 في المئة من المطاعم في العراق متهربة من الإجازة الصحية لصعوبة الإيفاء بالشروط.

 

بات من الطبيعي أن تتكرر أخبار حالات التسمم الغذائي بعد تناول وجبات من بعض المطاعم. أحدث الحالات المسجلة شهدها مستشفى الكرمة في محافظة الأنبار الذي استقبل 22 حالة مصابة بأعراض تسمم غذائي.

 

يقول أنس الصراف إن العشوائية في قطاع المطاعم وضعف الدولة وقلة كوادرها أدّت إلى استشراء حالات الفساد وكثرة المطاعم العشوائية غير الملتزمة بالشروط الصحية، وذلك بسبب التشريعات والقوانين التي لا تتلاءم واتساع هذا القطاع. العشوائية لا تقتصر على المطاعم، بل تمتد إلى الأكشاك الصغيرة التي تخلو من الرقابة الصحية، وكذلك الأطعمة التي تجهزها سيدات في البيوت بغرض البيع، سواء في المطاعم أو “أون لاين”.

 

يؤكد أن “مثل هذه المشاريع غير مراقبة صحياً وغير مقننة، إذ يتطلب حصولها على رقم صحي يوضع على علبة التغليف ورقم ضريبي، تشريعاً قانونياً خاصاً لا يحمل في طياته مصلحة حزبية، لذلك فهو بعيد تماماً من منهج البرلمان”.

 

يوضح ليث أحمد، صاحب سلسلة مطاعم شاورما، أن آلية الرقابة الصحية تتمثل في الزيارة الميدانية من دائرة الرقابة في وزارة الصحة، فضلاً عن لجان التفتيش لمتابعة عمل المطعم. يقول: “نراقب يومياً مصادر اللحم والخضراوات، حتى المواد الجافة التي نستخدمها في المطعم، ونتابع جودتها عن طريق “الشيف العام” (كبير الطهاة) عند الاستلام، لكن الالتزام بالتعليمات والمعايير الصحية مكلف جداً، لكنه ضروري لضمان جوده الطعام وسلامته، ولأن المشروع يجب أن يحافظ على مستواه وجودته، وهذا يتطلب جهداً وكلفة إضافية وعدد موظفين أكبر للمراقبة، وهي إجراءات تقي المطاعم شرور الإغلاق”.

 

يشار إلى أنه يحق لأكثر من جهة حكومية غلق المطعم، منها وزارة الصحة لعدم الالتزام بالمعايير الصحية، وهيئة السياحة، ومديرية الدفاع المدني في حال مخالفة المطعم لشروط الأمان، فضلاً عن الجهات الأمنية إذا لم يقدم مالك المطعم بيانات العاملين، وكذلك مجلس المحافظة.

 

يقول رئيس رابطة المطاعم العراقية أنس الصراف إن “هناك سيوفاً مُسلطة على قطاع المطاعم، على رغم أهميتها الاقتصادية”، مشيراً إلى أن عدد العاملين في هذا القطاع يقدر بنحو نصف مليون عامل، ما يعني أن إغلاق مطعم يؤدي إلى خلل أمني واقتصادي واجتماعي. كذلك فإن قطاع المطاعم هو أكبر مشتر لمواد الجملة، أي إنه قطاع بالغ الأهمية لتحريك عجلة الاقتصاد”.

 

الأردن… تحديات مزدوجة

عجلة الاقتصاد، وفي القلب منها قطاع المطاعم، تدور في الأردن أيضاً، وتواجه توليفة شبيهة من التحديات بين مقلصة الأرباح وضوابط الغذاء وسلامته.

 

مطاعم الأردن تواجه تحديات مزدوجة وضغوطاً تشغيلية متزايدة. فهي تصارع من أجل البقاء، وتبذل جهداً خارقاً من أجل ضمان تحقيق أرباح وسط ارتفاع تكاليف التشغيل من إيجارات وفواتير طاقة، ومواد خام وغيرها، وفي الوقت نفسه الالتزام الصارم بمعايير وشروط “المؤسسة العامة للغذاء والدواء”، التي تفرض غرامات أو إغلاقات فورية في حال المخالفة.

 

يخدم هذا القطاع ما يزيد على 11 مليون مواطن ومقيم، إضافة إلى مئات الآلاف من السياح سنوياً، ويُعد من أكثر القطاعات نمواً في الأردن، ويضم آلاف المنشآت الغذائية التي تخضع لرقابة المؤسسة العامة للغذاء والدواء، ووزارة الصحة، وأمانة عمّان الكبرى، والبلديات، ووزارة الإدارة المحلية، وذلك في إطار منظومة تهدف إلى ضمان وصول غذاء آمن إلى المستهلك.

 

وعلى رغم الحملات الرقابية المستمرة، لا تزال الجهات المختصة تضبط بصورة دورية مخالفات تتعلق بسوء التخزين، وغياب الاشتراطات الصحية، وتشغيل منشآت من دون ترخيص، واستخدام مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى فعالية الرقابة، وقدرة العقوبات الحالية على ردع المخالفين.

 

تشير البيانات الرسمية للمؤسسة العامة للغذاء والدواء إلى أن جولات التفتيش السنوية تبلغ نحو 34 ألف زيارة ميدانية مفاجئة وشاملة تغطي كل المحافظات. وتحتل العاصمة عمان، تليها محافظتا إربد والزرقاء، المراتب الأولى من حيث كثافة تسجيل المخالفات، نظراً للتركز السكاني العالي وكذلك أعداد المنشآت. وتُظهر المؤشرات أن نحو ثمانية في المئة من إجمالي الزيارات الميدانية تنتهي بالإيقاف الموقت أو الإغلاق التحفظي نتيجة رصد سلبيات حرجة تمس صحة المستهلك مباشرة.

 

وبلغ متوسط حجم الإتلافات (الإعدامات) السنوية للمواد الغذائية الفاسدة أو منتهية الصلاحية والمخزنة في ظروف سيئة نحو 1385 طناً. وجرى تحويل أربعة في المئة من المنشآت المخالفة إلى المحاكم المختصة.

 

وفقاً للأرقام تتركّز النسبة الأعلى من هذه الإغلاقات في قطاع المطاعم الشعبية ومحال الشاورما والوجبات السريعة، لكونها الأكثر تعاملاً مع المواد السريعة التلف كالدواجن والصلصات. وتكثف المؤسسة العامة للغذاء والدواء حملاتها خلال شهر رمضان والصيف والأعياد لارتفاع الطلب على الأغذية.

 

وأظهرت بيانات رسمية أن فرق الرقابة نفذت خلال الأشهر الأولى من العام الحالي أكثر من 11 ألف جولة تفتيش، نتجت منها إنذارات وإيقاف منشآت وإغلاقات وإتلاف مواد غذائية غير مطابقة.

 

يكشف مفتشو القطاع الصحي عن أساليب خطرة ومبتكرة تعمد إليها بعض المطاعم للتحايل على الإرشادات المعتمدة وتوفير النفقات، كتذويب اللحوم المرتجعة عبر شراء اللحوم والدواجن المجمدة المستوردة بأسعار منخفضة، وإعادة تذويبها بالماء الساخن لعرضها وبيعها للمستهلكين في السندويشات على أنها لحوم بلدية أو طازجة.

 

ويتحدث أحد العاملين في هذا القطاع عن بعض التجاوزات، يقول “بعض المنشآت تستخدم زيوت القلي لفترات تتجاوز الحدود الآمنة، إذ تُترك الزيوت حتى تتأكسد وتتحول كيماوياً إلى مركبات هيدروكربونية مسرطنة مع تغير كامل في القوام واللون. ولتغطية الرائحة، يجري خلطها بمواد كيماوية أو بهارات قوية”. ويضيف “البعض يلجأ إلى حيلة نزع ملصقات تواريخ الصلاحية الأصلية للمواد الخام مثل الأجبان والصلصات والمعلبات واستبدالها بملصقات وهمية تجنباً لإتلافها وخسارة ثمنها”.

 

وقد حسمت وثيقة أكاديمية حديثة صادرة عن كلية الزراعة في الجامعة الأردنية (2024)، الجدل حول مدى التزام المطاعم بالاشتراطات الصحية، فكشفت أن عينات المطاعم التجارية من السلطات تحوي على معدلات مقلقة من الميكروبات والجراثيم، وهو ما يطرح كثيراً من الأسئلة حول آلية غسل وتجهيز الخضروات الورقية، وسلوكيات النظافة التي يتبعها العاملون، ومدى الالتزام بقواعد التبريد.

 

يقول أحد العاملين في مسلخ رسمي للحوم إن ثمة أخطاراً صحية تتخلل عملية التبريد في آليات النقل والتخزين، مشيراً إلى أن اللحوم والخضروات تصل إلى المطاعم عبر قنوات رسمية كمسلخ أمانة عمان الكبرى وسوق الخضراوات المركزي، بيد أن المشكلة تبدأ عند كسر سلسلة التبريد السليمة التي تتطلب حفظ اللحوم المبردة بين صفر إلى أربع درجات مئوية، والمجمدة عند 18 درجة مئوية تحت الصفر.

 

ويعمد بعض أصحاب المطاعم الشعبية إلى فصل التيار الكهربائي عن برادات التخزين الضخمة والمجمدات خلال ساعات الليل، وذلك بهدف تقليص فاتورة الطاقة الكهربائية المرتفعة، وهو ما يعرض المأكولات للبكتيريا المسببة للتسمم مثل “السالمونيلا” وتكاثرها بصورة متسارعة في بيئة دافئة ورطبة، مما جعل هذه الممارسة سبباً في 90 في المئة من حالات التسمم الجامعي المسجلة في تاريخ هذا القطاع.

 

يشار إلى أن التحقيقات الرسمية في حادثة تسمم جماعي في محافظة إربد عام 2025 أثبتت وجود تلوث ببكتيريا الإشريكية القولونية، مما أدى إلى إغلاق المنشأة احترازياً وإجراء تحقيقات موسعة.

 

تلزم التشريعات الأردنية كل عامل في قطاع الغذاء بالحصول على شهادة خلو من الأمراض السارية والمعدية صادرة عن وزارة الصحة ومجددة بصورة دورية. لكن التدوير السريع للعمالة الموقتة في هذا القطاع يدفع المنشآت لتشغيل أفراد يفتقرون للشهادات الصحية.

 

في الوقت نفسه، قفزت ظاهرة “المطابخ المنزلية والتجارية غير المرخصة” عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التوصيل الذكية لتشكل سوقاً خفية دون رقابة، حيث تجري عمليات الطهي والتحضير داخل شقق سكنية تفتقر لأبسط شروط التهوية، أو مكافحة القوارض، أو الفحص الطبي للقائمين عليها.

 

 

الأخبار

سياسة

آراء

اقتصاد

ثقافة

منوعات

رياضة

صحة

تحقيقات ومطولات

اندبندنت عربية TV

اقرأ الآن

أكل المطاعم في العالم العربي… لا هناء ولا شفاء أحيانا

يد الرقابة تبدو ضعيفة في غالبية البلدان وكذلك العقوبات غير رادعة وأساليب التحايل متعددة والخطر لا يبدأ في المطابخ إنما في سلاسل الإمداد أيضاً وسلامة الغذاء ليست بخير

أمينة خيري

غادة الطليحي

غفران يونس

طارق ديلواني

كارين اليان ضاهر

طارق علي

إسراء الشاهر

حسن الأشرف

محمد لهوازي

حمادي معمري

الجمعة 17 يوليو 2026 12:00

 

يكاد يتشابه واقع المطاعم في الدول العربية حد التطابق خصوصاً في الرقابة وسلامة الغذاء (اندبندنت عربية)

 

 

 

 

 

عع

 

ملخص

واقع الدول العربية في قطاع المطاعم شديد الشبه، لا في مذاق الشاورما، أو مكونات الكفتة، أو نوعية الصلصات والسلطات، لكن أيضاً في حيل المتلاعبين، وتهاون بعضهم من القائمين على أمر المطاعم، واعتبار النظافة أو التدقيق أو الرقابة مبالغة لا طائل منها. لكن أغرب ما في ملف سلامة الغذاء، أو بالأحرى افتقاده السلامة، ما يجري أحياناً ويتم الكشف عنه، من تسريب المواد الغذائية التي تُصادر لفسادها استعداداً لإعدامها، فيتواطأ أشخاص من هنا، مع ضعاف نفوس من هناك، وتُسرب وتباع في الأسواق، وكأن شيئاً من التشريع والرقابة والمتابعة والتدقيق لم يكُن.

 

حين تنتهي وجبة في مطعم بإقامة ليلة أو ليلتين في الرعاية المركزة، وحين تتنكر عبوات البيض الورقية في صورة “حواوشي” رهيب، وحين تعرف لحوم الكلاب أو القطط أو الحمير طريقها إلى الكفتة المشوية الشهية، أو يأكل الزبون خضراوات أكل عليها العفن وشربت عليها البكتيريا ويهضم بكوب من العصير مع قليل من التيتانيوم، وحين يقرر صاحب المطعم أن يضع فاتورة الكهرباء في كفة، وصحة الزبون في الأخرى، فيختار الأولى وليذهب الزبون إلى الطوارئ أو قسم السموم أو مثواه الأخير، فإن هذا يعني أن سلامة الغذاء في خطر، وأن تناول الطعام خارج البيت قد يحتاج إلى وثيقة تأمين على الحياة، أو رقابة أفضل على المطابخ والعمال والمكونات، أيهما أوقع.

 

جولات “اندبندنت عربية” على المطاعم في مدن وقرى عربية كشفت كثيراً من أوجه الشبه لحد التطابق. الشاورما لم تعد فقط هذه الرقائق من اللحم أو الدواجن المسيلة للعاب لفرط حلاوتها وروعة “ثوميتها”، بل أصبحت لفائف متفجرة، وكل آكل وحظه. القوانين وفيرة، والنصوص ثرية، والرؤى التشريعية ثاقبة، إلا أن الفساد يقف لها بالمرصاد، والرشاوى قادرة على تليين القلوب والعقول ودفاتر المخالفات، والالتفاف على اللوائح حاضر وطاغ، والنجاة بالنفس والمطعم والبيزنس سيد القطاع.

 

وحتى في الدول التي أنجزت الكثير على طريق ضبط المطاعم، وربط سلامة الغذاء، والتأكد من أن “كل شيء تمام”، تأتي المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر المتمثلة في وجبات يجري إعدادها في مطابخ البيوت، أو تلك التي يبيعها باحثون عن مهرب من بطالة عبر بيع الوجبات الخفيفة والمشروبات من صندوق سيارة يغلق حال وقوع تفتيش مفاجئ أو تدقيق مباغت، لتعيد سلامة الغذاء إلى المربع صفر.

 

وبين هذه الأخطار، وتلك المجازفات، تقف سلامة الغذاء في غالبية الدول العربية في حيرة من أمرها أمام هذا العدد الضخم من جهات التفتيش، ومؤسسات الرقابة، والوزارات المسؤولة عن الملف، لدرجة أن دم المصاب بالتسمم الغذائي يتفرق بين تضارب الاختصاصات حيناً، وإنكار المسؤولية حيناً آخر، والتحجج بضرورات “أكل العيش” دائماً وأبداً.

 

مصر… السر في التتبيلة

سلامة الطعام، أو بالأحرى اعتلاله، منظومة تجد نفسها حائرة بين طرفي نقيض في مصر: الأول زيادة الوعي الشعبي به مع جهود حكومية للمراقبة والمحاسبة “قدر الإمكان”، والثاني توليفة من صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي تدفع البعض إلى استهلاك طعام غير معروف المصدر أو المشاركة في منظومة بيعه وشرائه، مع قدر من الفصل التام بين التدين العارم الطاغي من جهة واعتبار فساد أو سوء مكونات الطعام من جهة أخرى أمراً براغماتياً بحتاً، أو شأناً عملياً يخضع لقواعد السوق والسوء لدى الكبار من أصحاب المطاعم والمحلات ومورديها، حيث هذه نقرة وتلك أخرى، إضافة إلى بقايا سلبية من عصر تضارب اختصاصات الرقابة الحكومية وقت كانت منظومة الرقابة لضمان صحة المصريين هائمة على وجهها ضائعة مشتتة بين وزارات الصحة والتموين والزراعة والصناعة، ورجال الدين.

 

كريم وزوجته وأبناؤهما الثلاثة أصيبوا بتسمم غذائي قبل أسابيع. في اليوم السابق، تناولوا وجبة الإفطار في مطعم فول وفلافل شهير في مصر الجديدة، ووقت الغذاء أكلوا سندوتشات شاورما من فرع المهندسين لسلسلة مطاعم شهيرة، وتناولوا رزاً بلبن وآيس كريم من محل مجاور، وبين الوجبات توقفوا لتناول شاي وقهوة وكابتشينو من سيارة متنقلة على جانب الطريق.

 

رغبة كريم المحمومة ليتقفى أثر التسمم أحبطها تعدد مصادر الأكل، ومن ثمّ صعوبة تحديد أية وجبة أو مشروب كان السبب من جهة، قبل أن تجهز عليها وتجهضها تماماً رحلة البحث عن الجهة المسؤولة التي يمكن اللجوء إليها للإبلاغ.

 

بين الإدارة المركزية لمراقبة الأغذية في وزارة الصحة والسكان، وجهاز حماية المستهلك، ووزارة التموين والتجارة الداخلية، وقسم الشرطة، والهيئة القومية لسلامة الغذاء، وجد نفسه مشتتاً غير قادر على اللف والدوران والسؤال، بينما يتعافى وأسرته.

 

آخرون كانوا أوفر حظاً، وإن كانوا أقرب إلى الموت جراء التسمم الشديد الذي أجبر أقاربهم على نقلهم إلى مستشفى لإنقاذ أرواحهم، وهو ما استوجب إبلاغ الشرطة لاتخاذ اللازم، وهو ما أدى إلى الوصول إلى المطعم المقصود. قبل نحو أسبوعين، أصيبت أم وأبناؤها بتسمم شديد، نقلوا على إثره إلى المستشفى، ما أدى إلى القبض على صاحب مطعم شهير في شرق القاهرة.

 

جرى عرف انعدام سلامة الغذاء، وتضرر البعض جراء الإصابة بالنزلات المعوية أو التسمم أو غيرها من أشكال المرض، وربما الوفاة، أن يتم التعامل مع الواقعة عبر تطبيق نصوص قانون “الغش والتدليس”، التي تتراوح بين إغلاق وتشميع، أو دفع غرامات، أو سجن مدة لا تقل عن سنة.

 

 

توسّعت ظاهرة عربات الأكل والشرب في الشوارع والميادين والحارات المصرية إلى جانب المطاعم (رويترز)

 

 

أستاذ القانون في كلية الحقوق جامعة العاصمة (حلوان سابقاً) فرج الخلفاوي، شرح في ورقة عنوانها “الغش التجاري بين التشريع وموت الضمائر”، كيف أن “الغش التجاري ظاهرة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية أفرزتها حركة التطور في مختلف جوانب الحياة التجارية والاستهلاكية، فكما أن للتطور آثاراً إيجابية على الأفراد والمجتمع، فإنه وفي المقابل له آثار أخرى سلبية، أبرزها الغش التجاري، الذي أصبح ظاهرة عالمية واسعة”.

 

يقول إن المشرع المصري أدرك خطورة التدليس والغش منذ بداية أربعينيات القرن الماضي، فأصدر في شأن مكافحته القانون رقم 48 لسن 1941 بشأن قمع الغش والتدليس، وجعل نطاقه شاملاً لكل السلع، بما في ذلك أغذية الإنسان والحيوان والعقاقير والنباتات الطبية والأدوية والحاصلات الزراعية والمنتجات الطبيعية والصناعية. وظل المشرع يطور ويعدل ويضيف نصوصاً لتواكب التغيرات الحادثة في المجتمع، وجزء منها أدوات وأساليب الغش والتدليس.

 

القوانين كثيرة، والعقوبات متعددة ومتدرجة، وذلك بحسب حجم الضرر. فمن الغش أو حيازة مواد مغشوشة، لكن لم تتسبب في ضرر صحي جسيم إلى الأغذية الضارة بالإنسان، التي تثبت التحاليل الرسمية أنها تحتوي على مواد سامة أو ميكروبات تشكّل خطراً مباشراً على الصحة، إلى تسبب الطعام في عاهة أو إعاقة دائمة أو وفاة، تتدرج العقوبات القانونية. بين غرامات وإغلاقات وسجن يتراوح بين سنة، وقد يصل إلى المؤبد في حال حدوث وفاة أو أكثر.

 

وتتراوح العقوبات التكميلية بين مصادرة الأغذية المغشوشة وإعدامها، وغلق المطعم أو المقهى وتشميعه وسحب ترخيصه، ونشر الأحكام الصادرة في حقه في صحيفتين واسعتي الانتشار على نفقة المحكوم عليه.

 

ويتبقى هامش المسؤولية غير العمدية، التي يعاقب عليها القانون المصري كذلك، حتى لو لم يتعمد المطعم الغش، التي تكون ناجمة عن الإهمال، أو عدم اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لضمان سلامة الأغذية، أو ضعف الرقابة على المخازن والعمال والنظافة الشخصية.

 

وفي مصر، ومع توسّع ظاهرة عربات الأكل والشرب في الشوارع والميادين والحارات، وغالبيتها لا تخضع للرقابة أو التأكد من اتباع المعايير، تجد القلة المطالبة بإخضاعها للرقابة الحكومية نفسها في مواجهة اجتماعية نفسية عنيفة أمام الغالبية، التي ترى أن فرض الرقابة وتطبيق القواعد على هذه العربات، أو المشروعات المتناهية الصغر هو تعنت موجه ضد الفقراء، أو مبالغة في تطبيق القانون على البسطاء، أو خطوة ينبغي أن توضع في ذيل الأولويات، لأن أصحاب هذه المشروعات “غلابة”.

 

في مصر يخضع قطاع المطاعم وعربات الأكل للمراقبة والمحاسبة لكن فعلياً وواقعياً هو أبعد ما يكون عن ذلك لأسباب لوجيستية ومنطقية واجتماعية

 

عربة الـ”سوشي” حيث لفافات الرز والأسماك النيئة تباع نهاراً جهاراً في درجة حرارة تفوق الـ 40 درجة مئوية ومن دون براد. سندوتشات الكبدة الإسكندراني والسجق البلدي يأكلها القاصي قبل الداني على هذه العربة التي تأتي ظهراً وتنصرف مساءً من دون أن يعرف أحد عنوان صاحبها أو مصدر المكونات. أما “أكسسوارات البهائم” من فشة وكرشة ولسان وممبار، التي تنفد في لمح البصر، فتظل علامة من علامات شوارع المناطق الشعبية، وسراً من أسرار السعادة والبهجة، إن لم يكن بسبب حلاوتها وقدراتها الفائقة على الإشباع، فبسبب عدم الاكتراث بمعرفة أصلها وفصلها وكيفية تجهيزها.

 

يمكن القول إن هذا القطاع من “المطاعم” المتنقلة أو التي يقتصر وجودها على عربة أو طاولة أو فرشة في الشارع، خارج منظومة الضبط الغذائي والربط الصحي. وضمن هذا القطاع غير المنظم الغائب عن الرقابة على رغم الانتشار الكبير، مشروعات تجهيز وجبات في البيوت من دون شهادة أو ترخيص أو زيارة مفاجئة من مفتش أو قياس دوري لدرجة حرارة أو ظروف تخزين. المعياران الوحيدان في منظومة “مدام شيماء للمحشي والفطائر” و”الحاجة أسماء وطواجن الفرن” هو ضمير شيماء وسريرة أسماء. وما عدا ذلك، فهو ستر من السماء ونجاة من الأقدار.

 

نظرياً، يخضع هذا القطاع للمراقبة والمحاسبة. فعلياً وواقعياً، هو أبعد ما يكون عن ذلك لأسباب لوجيستية ومنطقية واجتماعية، فإذا كان كريم وزوجته وأبناؤه فشلوا في الوصول إلى الجهة التي ينبغي إبلاغها بحدوث التسمم، على رغم إنهم ينتمون لقمة الهرم الطبقي، وتناولوا ما أكلوه وشربوه في أرقى المنافذ وأغلاها، فإن عربات الأكل وطاولاتها وفرشاتها المنتمية إلى قاعدة الهرم بعيدة من العين، وسهولة الوصول، عقب الإبلاغ، والإبلاغ من أصله في حال حدوث تسمم أو نزلة معوية أو غيرها.

 

وسواء خضع الشخص المصاب بالتسمم أو النزلة المعوية أو غيرها نتيجة تناول طعام غير صالح للاستهلاك الآدمي للراحة بضعة أيام، أو دخل مستشفى لتلقي العلاج، فقد تقرر في عام 2017 تأسيس “الهيئة القومية لسلامة الغذاء” في مصر، وتتبع رئيس الجمهورية مباشرة، بهدف توحيد جهات الرقابة على الغذاء، وبدأت في ممارسة مهامها في عام 2019، وذلك بعد صدور لائحتها التنفيذية.

 

وأخيراً ومع اشتداد درجات الحرارة، واستعداد المشروب الشعبي الأول في مصر لتبوؤ مكانته المرطبة على القلوب الحنونة على الجيوب، إذ بجهاز حماية المستهلك يصدم المصريين بأن “عصير القصب فيه سم قد يكون قاتلاً”، وهو مادة ثاني أكسيد التيتانيوم” الخطرة والمحظورة.

 

السعودية… وجبة في الطوارئ

تحوّل وجبة إلى رحلة طوارئ أمر غريب، لكن ليس فريداً. في السعوية، لم تتوقع الشابة إلهام (22 سنة) أن تؤدي وجبة تناولتها في مطعم إلى ثلاثة أيام في المستشفى، بدأت بآلام حادة في البطن، ونوبات متكررة من القيء والإسهال، وانتهت بتدهور حالتها واضطرارها لمراجعة قسم الطوارئ.

 

تروي إلهام تفاصيل ما عانته من آلام مبرحة في البطن، قبل أن يشخص الأطباء حالتها على أنها نزلة معوية حادة، ثم خضعت لإجراءات علاجية شملت تنظيف المعدة وتعويض السوائل، وبقيت تحت الملاحظة والعلاج ثلاثة أيام، واستمرار الأعراض لأيام كثيرة.

 

تستقبل أقسام الطوارئ في المستشفيات السعودية حالات مشابهة بصورة متكررة. حالات تسمم غذائي تتفاوت في شدتها، بعضها يغادر بعد ساعات من العلاج، بينما يحتاج بعضها إلى أيام عدة، لا سيما الأطفال وكبار السن والحوامل والمصابين بالأمراض المزمنة.

 

يؤكد طبيب طوارئ، فضّل عدم ذكر اسمه، أن حالات التسمم الغذائي تزيد بصورة ملحوظة في أشهر الصيف، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة احتمالات فساد الأغذية إذا لم تُحفظ أو تُنقل وفق الاشتراطات الصحية. ويشير إلى أن معظم الحالات تتعافى بعد العلاج، لكن هناك حالات تحتاج إلى التنويم نتيجة الجفاف أو شدة الأعراض، لا سيما بين الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

 

ويضيف أن “أعراض التسمم الغذائي تبدأ غالباً بآلام البطن والغثيان والقيء والإسهال، وقد تتطور إلى مضاعفات تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً، لذلك فإن سرعة مراجعة الطوارئ عند اشتداد الأعراض تساعد في الحد من المضاعفات وتقديم العلاج المناسب في الوقت المناسب”.

 

على رغم أن كثيرين يربطون التسمم الغذائي بفساد الطعام، فإن المختصين يؤكدون أن المشكلة غالباً تبدأ قبل وصول الوجبة إلى المستهلك. الحفظ في درجات حرارة غير مناسبة، وانقطاع الكهرباء، وانتقال التلوث بين الأغذية النيئة والمطهية، وانعدام النظافة الشخصية للعاملين، كلها عوامل تهيئ البيئة المناسبة لنمو البكتيريا والفيروسات المسببة للأمراض. كذلك إعادة تسخين الطعام بطريقة غير صحيحة، أو تركه خارج البراد لفترات طويلة، أمور تزيد من احتمالات التلوث، حتى وإن بدا الطعام صالحاً للاستهلاك من حيث الشكل أو الرائحة.

 

وفقاً للوائح البلدية في السعودية، تُلزم المطاعم والأنشطة ذات العلاقة باتباع اشتراطات محدثة تهدف إلى رفع مستوى الالتزام بمعايير النظافة والصحة العامة، وتعزيز رضا المستفيدين. وهناك جدول محدّث لعقوبات المخالفات الغذائية، يتضمن غرامات متفاوتة ما بين جسيمة وغير جسيمة، وتصل أحياناً إلى إغلاق المنشآت التي تشكل خطراً مباشراً على الصحة العامة. وتأتي هذه الإجراءات في إطار “حماية المستهلكين، وضمان العدالة والامتثال، وتطوير آليات رقابية وتشريعية أكثر فاعلية للحد من المخالفات، وضمان الالتزام بالمعايير الصحية والبلدية”، بحسب قائمة وزارة البلديات والإسكان السعودية.

 

 

تشدد جهات الرقابة السعودية على أهمية التزام المطاعم بالاشتراطات الصحية والبلدية (مواقع التواصل)

 

 

داخل المطاعم تبدأ رحلة أخرى لا يراها المستهلك، تبدأ بتسلم المواد الخام والتأكد من صلاحيتها، ثم حفظها في درجات حرارة مناسبة، قبل الانتقال إلى مراحل التحضير والطهي والتقديم.

 

يقول إبراهيم (عامل بأحد المطاعم) إن سلامة الغذاء تبدأ منذ لحظة تسلم المواد الغذائية، إذ يجري التأكد من صلاحيتها وقياس درجات حرارتها قبل إدخالها إلى المخازن، مع متابعة درجات حرارة الثلاجات بصورة مستمرة. ويضيف أن العاملين يتلقون تدريباً دورياً على النظافة الشخصية، وغسل اليدين، ومنع انتقال التلوث بين الأغذية النيئة والمطهية، مؤكداً أن الالتزام بهذه الإجراءات يعد جزءاً أساسياً من جودة الخدمة وثقة العملاء.

 

وفي إطار الالتزام بالاشتراطات الصحية، تتسابق المؤسسات الطبية الخاصة في الرياض على تقديم عروضها للمنشآت الغذائية، لفحص عمالتها، استجابةً لمتطلبات الجهات الرقابية. مثلاً، يوضح مجمع الطائف الطبي الواقع في أحد أحياء الرياض، أنه يوفر الفحوص اللازمة مدعمة بالمستندات الرسمية التي تثبت “خلو العاملين من الأمراض المعدية التي قد تؤثر في صحة المستهلكين أو سلامة المنتجات الغذائية”. وتُطلب هذه الشهادة من العاملين في القطاعات المرتبطة بإعداد وتقديم الطعام، مثل المطاعم والمقاهي، للتأكد من أهليتهم للعمل في بيئة تتطلب التزاماً صارماً باشتراطات الصحة والسلامة العامة.

 

وتشدد جهات الرقابة على المطاعم في أمانة منطقة الرياض على أهمية التزام المنشآت بالاشتراطات الصحية والبلدية، وتطبيق معايير سلامة الغذاء في جميع مراحل إعداد وتخزين وتقديم الأغذية، حفاظاً على صحة الجميع.

 

تلزم اللوائح المطاعم والأنشطة ذات العلاقة باتباع اشتراطات محدثة تهدف إلى رفع مستوى الالتزام بمعايير النظافة والصحة العامة

 

تقول أمانة منطقة الرياض إنها أغلقت منشأتين لتقديم المشروبات وضبطت 26 مخالفة متنوعة تهدد الصحة العامة قبل أشهر، وذلك إثر جولة تفتيشية انطلقت بناءً على بلاغات سكان العاصمة عبر تطبيق “مدينتي” يفيد بتدن في النظافة وتشغيل عمالة بلا شهادات صحية. وكشفت الفرق الميدانية عن تجاوزات وصفتها بالجسيمة في المنشآت المخالفة، شملت “سوء حفظ وتخزين المواد الغذائية، وعرض أو استخدام لحوم تظهر عليها علامات التلف والفساد، ووجود آفات حية أو ميتة”، فضلاً عن ممارسة النشاط من دون ترخيص.

 

وفي إطار الحسم الرقابي، قالت الأمانة إنها فرضت إجراءات صارمة تضمنت فرض غرامات مالية وتوجيه إنذارات، مؤكدة أن “البلاغات عبر تطبيق (مدينتي) تمثل عنصراً أساسياً في نجاعة الحملات الرقابية”، ومشددة على استمرار جولاتها التفتيشية لحماية المستهلكين وامتثال الخدمات في العاصمة للمعايير الصحية والبلدية.

 

في المقابل، فإنه على رغم هذه الإجراءات الحازمة، إلا أن الشكاوى من تهاون بعض المطاعم في تطبيق الاشتراطات الصحية منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، وإن سجّلت تراجعاً ملحوظاً بعد تسجيل حالات تسمم قبل نحو عام، التي تحولت إلى قضية رأي عام، وتسببت في إغلاق سلسلة مطاعم شهيرة بعد انهيار ثقة المستهلكين بها.

 

العراق… قوانين متهالكة

وعكس تشريعات مصر الكثيرة، التي تعاني بين الحين والآخر وهن التطبيق، ومنظومة السعودية للشكاوى عبر الأرقام الساخنة والتطبيقات الرقمية، تعاني التشريعات الخاصة بعمل المطاعم في العراق عرضين رئيسيين: قلة التشريعات، وإن وجدت، فلا تتناسب والزيادة الملحوظة في اتساع عمل هذا القطاع في السنوات الأخيرة. ويعد التشريع الذي صدر في عام 1984 من التشريعات التي نظمت منح إجازات لفتح المطاعم، وهو المعروف بـ”إجازة عمل الفنادق والمطاعم والمقاهي الشعبية والإشراف عليها”.

 

تنص التعليمات الصادرة في هذا التشريع على مساحة المطاعم، والحدود الدنيا للأسعار، فضلاً عن الشروط الصحية الواجب الالتزام بها لفتح المطعم والمقهى، لكن هذه القوانين لم تعد ملائمة لتنوع المطاعم وانتشارها، إذ لا يمكن مقارنة عام 1979 وقت كان مجمل المطاعم في العراق 170 مطعماً بالعام 2026، إذ يصل عدد المطاعم المجازة في بغداد وحدها 2400 مطعم، والعدد الكلي من المطاعم غير المجازة نحو تسعة آلاف مطعم.

 

تأسست “رابطة المطاعم العراقية” في عام 2019، كنوع من التكافل الاجتماعي مع حراك أكتوبر، وهي الحركة التي انطلقت بعد عام 2003 لرفض ومعارضة الواقع السياسي العراقي.

 

قدمت الرابطة، بالتعاون مع المطاعم الوجبات المجانية للمتظاهرين، ومنحت إجازات طويلة الأمد للعاملين في المطاعم من المتظاهرين، ومع أزمة كورونا بذلت الرابطة جهود ضغط من أجل السماح للمطاعم بالعمل في هذه الأزمة في مجال توصيل الطعام ملتزمة بفكرة التباعد الاجتماعي.

 

الفوضى في قطاع المطاعم بالعراق وضعف الدولة وقلة كوادرها أدّت إلى استشراء حالات الفساد وكثرة المطاعم العشوائية غير الملتزمة بالشروط الصحية

 

يصف رئيس رابطة المطاعم العراقية أنس الصراف قطاع المطاعم في العراق بـ”المستضعف والملتزم”، فالمطاعم تعمل وفق قوانين ليست ميسرة لتسجيلها رسمياً، فضلاً عن أن الحصول على الإجازات الصحية ليس بالأمر السهل. يقول: “على سبيل المثال، لا يجوز استخدام الاسم الأجنبي لتسجيل المطعم، فنضطر إلى السفر للخارج لتسجيل اسم المطعم وإدخاله للعراق كـ(براند) عربي أو عالمي، فالقانون يسمح بتسجيل الاسم الأجنبي إذا كان وافداً من دول أخرى، ولا يسمح لما هو محلي”.

 

بعد حصول المطعم على اسم تجاري من اتحاد الصناعات العراقي أو من غرفة تجارة بغداد، تبدأ رحلة استصدار الإجازة الصحية للمطعم من كل من وزارة الصحة وهيئة السياحة في حال كان المطعم سياحياً.

 

يشير أنس الصراف إلى أن مختبر الصحة المركزي في وزارة الصحة يقوم بأخذ عينات شهرياً من اللحوم والصلصات، فضلاً عن الفحص الدوري للعاملين لضمان خلوهم من الأمراض الانتقالية والتدرن. أما اللحوم، فيجب أن يكون مصدرها مجازر مجازة صحياً. ويضيف: “زادت قيمة الفحوص الطبية من 60 ألف دينار عراقي (45 دولاراً) إلى 250 ألف دينار عراقي (191 دولاراً)، ما أدى إلى ارتفاع أجور الإجازة الصحية للمطعم لتصل إلى 1.5 مليون دينار عراقي، أي نحو 1145 دولاراً أميركياً.

 

كذلك تشترط القوانين لاستيفاء شروط منح الإجازة الصحية للمطعم دفع أجور الهواتف الأرضية التي تعطلت وانتهى العمل بها في عام 2003، وهو ما يدفع أغلب المطاعم للتهرب من الإجراءات. وتشير الإحصاءات أن نحو 75 في المئة من المطاعم في العراق متهربة من الإجازة الصحية لصعوبة الإيفاء بالشروط.

 

 

بات طبيعياً أن تتكرر أخبار حالات التسمم الغذائي بعد تناول وجبات من بعض المطاعم في العراق (رويترز)​​​​​​​

 

 

بات من الطبيعي أن تتكرر أخبار حالات التسمم الغذائي بعد تناول وجبات من بعض المطاعم. أحدث الحالات المسجلة شهدها مستشفى الكرمة في محافظة الأنبار الذي استقبل 22 حالة مصابة بأعراض تسمم غذائي.

 

يقول أنس الصراف إن العشوائية في قطاع المطاعم وضعف الدولة وقلة كوادرها أدّت إلى استشراء حالات الفساد وكثرة المطاعم العشوائية غير الملتزمة بالشروط الصحية، وذلك بسبب التشريعات والقوانين التي لا تتلاءم واتساع هذا القطاع. العشوائية لا تقتصر على المطاعم، بل تمتد إلى الأكشاك الصغيرة التي تخلو من الرقابة الصحية، وكذلك الأطعمة التي تجهزها سيدات في البيوت بغرض البيع، سواء في المطاعم أو “أون لاين”.

 

يؤكد أن “مثل هذه المشاريع غير مراقبة صحياً وغير مقننة، إذ يتطلب حصولها على رقم صحي يوضع على علبة التغليف ورقم ضريبي، تشريعاً قانونياً خاصاً لا يحمل في طياته مصلحة حزبية، لذلك فهو بعيد تماماً من منهج البرلمان”.

 

يوضح ليث أحمد، صاحب سلسلة مطاعم شاورما، أن آلية الرقابة الصحية تتمثل في الزيارة الميدانية من دائرة الرقابة في وزارة الصحة، فضلاً عن لجان التفتيش لمتابعة عمل المطعم. يقول: “نراقب يومياً مصادر اللحم والخضراوات، حتى المواد الجافة التي نستخدمها في المطعم، ونتابع جودتها عن طريق “الشيف العام” (كبير الطهاة) عند الاستلام، لكن الالتزام بالتعليمات والمعايير الصحية مكلف جداً، لكنه ضروري لضمان جوده الطعام وسلامته، ولأن المشروع يجب أن يحافظ على مستواه وجودته، وهذا يتطلب جهداً وكلفة إضافية وعدد موظفين أكبر للمراقبة، وهي إجراءات تقي المطاعم شرور الإغلاق”.

 

يشار إلى أنه يحق لأكثر من جهة حكومية غلق المطعم، منها وزارة الصحة لعدم الالتزام بالمعايير الصحية، وهيئة السياحة، ومديرية الدفاع المدني في حال مخالفة المطعم لشروط الأمان، فضلاً عن الجهات الأمنية إذا لم يقدم مالك المطعم بيانات العاملين، وكذلك مجلس المحافظة.

 

يقول رئيس رابطة المطاعم العراقية أنس الصراف إن “هناك سيوفاً مُسلطة على قطاع المطاعم، على رغم أهميتها الاقتصادية”، مشيراً إلى أن عدد العاملين في هذا القطاع يقدر بنحو نصف مليون عامل، ما يعني أن إغلاق مطعم يؤدي إلى خلل أمني واقتصادي واجتماعي. كذلك فإن قطاع المطاعم هو أكبر مشتر لمواد الجملة، أي إنه قطاع بالغ الأهمية لتحريك عجلة الاقتصاد”.

 

الأردن… تحديات مزدوجة

عجلة الاقتصاد، وفي القلب منها قطاع المطاعم، تدور في الأردن أيضاً، وتواجه توليفة شبيهة من التحديات بين مقلصة الأرباح وضوابط الغذاء وسلامته.

 

مطاعم الأردن تواجه تحديات مزدوجة وضغوطاً تشغيلية متزايدة. فهي تصارع من أجل البقاء، وتبذل جهداً خارقاً من أجل ضمان تحقيق أرباح وسط ارتفاع تكاليف التشغيل من إيجارات وفواتير طاقة، ومواد خام وغيرها، وفي الوقت نفسه الالتزام الصارم بمعايير وشروط “المؤسسة العامة للغذاء والدواء”، التي تفرض غرامات أو إغلاقات فورية في حال المخالفة.

 

يخدم هذا القطاع ما يزيد على 11 مليون مواطن ومقيم، إضافة إلى مئات الآلاف من السياح سنوياً، ويُعد من أكثر القطاعات نمواً في الأردن، ويضم آلاف المنشآت الغذائية التي تخضع لرقابة المؤسسة العامة للغذاء والدواء، ووزارة الصحة، وأمانة عمّان الكبرى، والبلديات، ووزارة الإدارة المحلية، وذلك في إطار منظومة تهدف إلى ضمان وصول غذاء آمن إلى المستهلك.

 

وعلى رغم الحملات الرقابية المستمرة، لا تزال الجهات المختصة تضبط بصورة دورية مخالفات تتعلق بسوء التخزين، وغياب الاشتراطات الصحية، وتشغيل منشآت من دون ترخيص، واستخدام مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى فعالية الرقابة، وقدرة العقوبات الحالية على ردع المخالفين.

 

تشير البيانات الرسمية للمؤسسة العامة للغذاء والدواء إلى أن جولات التفتيش السنوية تبلغ نحو 34 ألف زيارة ميدانية مفاجئة وشاملة تغطي كل المحافظات. وتحتل العاصمة عمان، تليها محافظتا إربد والزرقاء، المراتب الأولى من حيث كثافة تسجيل المخالفات، نظراً للتركز السكاني العالي وكذلك أعداد المنشآت. وتُظهر المؤشرات أن نحو ثمانية في المئة من إجمالي الزيارات الميدانية تنتهي بالإيقاف الموقت أو الإغلاق التحفظي نتيجة رصد سلبيات حرجة تمس صحة المستهلك مباشرة.

 

وبلغ متوسط حجم الإتلافات (الإعدامات) السنوية للمواد الغذائية الفاسدة أو منتهية الصلاحية والمخزنة في ظروف سيئة نحو 1385 طناً. وجرى تحويل أربعة في المئة من المنشآت المخالفة إلى المحاكم المختصة.

 

وفقاً للأرقام تتركّز النسبة الأعلى من هذه الإغلاقات في قطاع المطاعم الشعبية ومحال الشاورما والوجبات السريعة، لكونها الأكثر تعاملاً مع المواد السريعة التلف كالدواجن والصلصات. وتكثف المؤسسة العامة للغذاء والدواء حملاتها خلال شهر رمضان والصيف والأعياد لارتفاع الطلب على الأغذية.

 

وأظهرت بيانات رسمية أن فرق الرقابة نفذت خلال الأشهر الأولى من العام الحالي أكثر من 11 ألف جولة تفتيش، نتجت منها إنذارات وإيقاف منشآت وإغلاقات وإتلاف مواد غذائية غير مطابقة.

 

يكشف مفتشو القطاع الصحي عن أساليب خطرة ومبتكرة تعمد إليها بعض المطاعم للتحايل على الإرشادات المعتمدة وتوفير النفقات، كتذويب اللحوم المرتجعة عبر شراء اللحوم والدواجن المجمدة المستوردة بأسعار منخفضة، وإعادة تذويبها بالماء الساخن لعرضها وبيعها للمستهلكين في السندويشات على أنها لحوم بلدية أو طازجة.

 

ويتحدث أحد العاملين في هذا القطاع عن بعض التجاوزات، يقول “بعض المنشآت تستخدم زيوت القلي لفترات تتجاوز الحدود الآمنة، إذ تُترك الزيوت حتى تتأكسد وتتحول كيماوياً إلى مركبات هيدروكربونية مسرطنة مع تغير كامل في القوام واللون. ولتغطية الرائحة، يجري خلطها بمواد كيماوية أو بهارات قوية”. ويضيف “البعض يلجأ إلى حيلة نزع ملصقات تواريخ الصلاحية الأصلية للمواد الخام مثل الأجبان والصلصات والمعلبات واستبدالها بملصقات وهمية تجنباً لإتلافها وخسارة ثمنها”.

 

 

بعض المطاعم تستخدم زيوت القلي لفترات تتجاوز الحدود الآمنة وكذلك اللحوم المجمدة بعد تذويبها بالماء الساخن (رويترز)​​​​​​​

 

 

وقد حسمت وثيقة أكاديمية حديثة صادرة عن كلية الزراعة في الجامعة الأردنية (2024)، الجدل حول مدى التزام المطاعم بالاشتراطات الصحية، فكشفت أن عينات المطاعم التجارية من السلطات تحوي على معدلات مقلقة من الميكروبات والجراثيم، وهو ما يطرح كثيراً من الأسئلة حول آلية غسل وتجهيز الخضروات الورقية، وسلوكيات النظافة التي يتبعها العاملون، ومدى الالتزام بقواعد التبريد.

 

يقول أحد العاملين في مسلخ رسمي للحوم إن ثمة أخطاراً صحية تتخلل عملية التبريد في آليات النقل والتخزين، مشيراً إلى أن اللحوم والخضروات تصل إلى المطاعم عبر قنوات رسمية كمسلخ أمانة عمان الكبرى وسوق الخضراوات المركزي، بيد أن المشكلة تبدأ عند كسر سلسلة التبريد السليمة التي تتطلب حفظ اللحوم المبردة بين صفر إلى أربع درجات مئوية، والمجمدة عند 18 درجة مئوية تحت الصفر.

 

ويعمد بعض أصحاب المطاعم الشعبية إلى فصل التيار الكهربائي عن برادات التخزين الضخمة والمجمدات خلال ساعات الليل، وذلك بهدف تقليص فاتورة الطاقة الكهربائية المرتفعة، وهو ما يعرض المأكولات للبكتيريا المسببة للتسمم مثل “السالمونيلا” وتكاثرها بصورة متسارعة في بيئة دافئة ورطبة، مما جعل هذه الممارسة سبباً في 90 في المئة من حالات التسمم الجامعي المسجلة في تاريخ هذا القطاع.

 

يشار إلى أن التحقيقات الرسمية في حادثة تسمم جماعي في محافظة إربد عام 2025 أثبتت وجود تلوث ببكتيريا الإشريكية القولونية، مما أدى إلى إغلاق المنشأة احترازياً وإجراء تحقيقات موسعة.

 

تلزم التشريعات الأردنية كل عامل في قطاع الغذاء بالحصول على شهادة خلو من الأمراض السارية والمعدية صادرة عن وزارة الصحة ومجددة بصورة دورية. لكن التدوير السريع للعمالة الموقتة في هذا القطاع يدفع المنشآت لتشغيل أفراد يفتقرون للشهادات الصحية.

 

في الوقت نفسه، قفزت ظاهرة “المطابخ المنزلية والتجارية غير المرخصة” عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التوصيل الذكية لتشكل سوقاً خفية دون رقابة، حيث تجري عمليات الطهي والتحضير داخل شقق سكنية تفتقر لأبسط شروط التهوية، أو مكافحة القوارض، أو الفحص الطبي للقائمين عليها.

 

مطاعم الأردن تواجه تحديات مزدوجة وضغوطاً تشغيلية متزايدة، تصارع من أجل البقاء وتبذل جهداً خارقاً لضمان تحقيق أرباح وسط ارتفاع تكاليف التشغيل

 

وخلال الأعوام الماضية برزت فضائح عدة لتلوث الغذاء في الأردن، حيث جرى تسجيل 505 إصابات ناتجة من 66 حادثة تسمم غذائي في الأردن خلال عام واحد، كان أبرزها كارثة “شاورما” عين الباشا عام 2020 كواحدة من أكبر حوادث التسمم الغذائي في تاريخ المملكة، التي أسفرت عن وفاة طفل وإصابة نحو 700 شخص إثر تناولهم وجبات “شاورما” بأحد المطاعم الشهيرة في منطقة مخيم البقعة.

 

يرى أصحاب مطاعم ومنشآت صحية أن الالتزام بالاشتراطات الصحية يمثل كلفة مالية باهظة ومنتظمة تؤثر بصورة مباشرة في أرباح المطاعم، مما يفسّر لجوء بعض هذه المنشآت للاستخفاف بالقواعد والتهرّب من المصروفات الثابتة، وأبرزها كلفة الطاقة والتبريد المستمرين داخل المطبخ على مدار 24 ساعة، وهي من أعلى بنود الكلف التشغيلية في الأردن نظراً إلى تعريفة الكهرباء المرتفعة للمحال التجارية.

 

ورسوم فحوص وشهادات العمال الدورية وتأمين عمالة ماهرة ومدربة على سلامة الأغذية بأجور مرتفعة تشكل عبئاً مالياً على الغالبية. أمّا الخسارة الأكبر فتقع عند إتلاف المواد التي شارف تاريخها على الانتهاء.

 

وفقاً لمؤسسة الغذاء والدواء والجهات الرقابية الأخرى، تشمل عمليات التفتيش أكثر من 50 بنداً، أبرزها مصدر المواد الغذائية، وصلاحية اللحوم والدواجن، وسلامة الزيوت المستخدمة في القلي، ودرجات حرارة الحفظ والتبريد، ونظافة أدوات الطهي، فضلاً عن مكافحة الحشرات والقوارض، ونظافة العاملين والشهادات الصحية.

 

بموجب المادة (22) من قانون الرقابة على الغذاء في الأردن، فإن العقوبات المفروضة لم تعد تقتصر على الغرامات المادية التصاعدية وحسب، بل تمتد لتشمل الإغلاق الفوري للمنشأة، وسحب وتجميد الرخص التجارية، ومصادرة البضائع، وصولاً إلى عقوبة الحبس الفعلي لصاحب المنشأة أو المدير المسؤول في حال ثبوت التسبب بضرر صحي جماعي أو تكرار المخالفات الشديدة.

 

وعلى رغم كفاءة المنظومة الرقابية الرسمية في الأردن على مستوى التشريع والضبط الميداني، فإن الثغرة الكبرى تكمن في السلوكيات الفردية لبعض المستثمرين الراغبين في تقليص النفقات على حساب الجودة.

 

لبنان… رقابة ضمن حدود

عجلة الاقتصاد، ودور المطاعم والمقاهي الكبير في تدويرها، مستمرة على مدى العام، لكنها أحياناً تدور بما لا تشتهي صحة الزبائن. ويبقى فصل الصيف موسماً رئيساً، لا في معدلات الإقبال فقط، لكن في ملف سلامة الغذاء أيضاً. وفي لبنان، يعود ملف سلامة الغذاء بصورة متكررة إلى الواجهة في مثل هذه الأيام من كل عام، وذلك تزامناً مع ارتفاع معدلات السياحة وعودة المغتربين للزيارة.

 

تخضع الرقابة على المطاعم في لبنان إلى إشراف مشترك بين وزارات الصحة العامة والاقتصاد والسياحة وكذلك البلديات، وذلك لضمان مطابقة الأغذية وأعلى المعايير. أما ما استجد في هذا المجال، فهو وجود الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء التي أبصرت النور بعد طول انتظار، وإن كانت فاعليتها في مواجهة التجاوزات محدودة بسبب تحديات وعوائق كثيرة.

 

يقول الدكتور إيلي عوض، رئيس الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، الهيئة باشرت مهماتها فعلياً في فبراير(شباط) الماضي لتبدأ في توحيد معايير الرقابة وحماية صحة المستهلك، إلا أنه يأسف لوجود عوائق كثيرة تحول دون ذلك، منها عدم وجود موظفين ومراقبين لدى الهيئة، واعتمادها على مراقبين من وزارتي الصحة والصناعة وغيرهما من الوزارات.

 

ويتركز عمل الهيئة على الرقابة السابقة بصورة أساسية، وهو الهدف الجوهري، إذ جرت العادة أن يجري التركيز على تلبية شكاوى المواطنين والتحرك بعد حصول الضرر. تتحرك وزارة الصحة بناءً على شكوى أو على أثر تسجيل حالات تسمم، أما الهيئة فتحرص على القيام بدورها تلقائياً من خلال الجولات الرقابية المفاجئة لكشف أي مخالفات وتصحيح الأوضاع.

 

مع مطلع كل صيف، تزيد الصعوبات والمشكلات في ملف سلامة الغذاء. ومن أبرز المشكلات شبكة الكهرباء وأعطالها واللجوء أحياناً إلى المولدات الكهربائية وانعكاسات ذلك السلبية على الأطعمة. يضاف إلى ذلك أنه ثمة مؤسسات لا تتردد في قطع الكهرباء وإطفاء المولدات لخفض فاتورة الكهرباء دون التفكير في تداعيات مثل هذا القرار على سلامة الغذاء وصحة المواطن، لا سيما في ظل الارتفاع الشديد في درجات الحرارة. وحفاظاً على سلامة الغذاء، هناك مساع مع الوزارات المعنية لخفض فاتورة الكهرباء على المطاعم، لتتمكّن من تحمل كلفها وتحرص على سلامة الغذاء.

 

وفي جهودها الكثيرة للرقابة على المطاعم وسلامة الغذاء بصورة عامة، يبقى التحدي الأكبر الذي تواجهه الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء في عدم وجود مراقبين، وقلة الإمكانات المتاحة التي تحول دون قيامها بمهماتها بالصورة المرجوة. إذ حتى الآن بلا موازنة أو موظفين.

 

يقول رئيسها “حتى اليوم، أنا بصفتي رئيساً للهيئة، ليس لديّ مكتب خاص بي. كل ما يحصل يؤكد على الاستخفاف بصحة الناس. فلم تُخصص للهيئة أموال، وليس لديها موظفون أو سيارات للقيام بالجولات الرقابية، علماً أنه حالياً يوجد نحو 55 مراقباً في بيروت، لكن المطلوب وجود مراقبين في كل محافظة، وإلا فقدت الهيئة قدرتها على القيام بمهماتها”.

 

يضاف إلى ذلك مشكلة تعدد الجهات الرقابية، فمن المفترض أن تكون الهيئة قد وجدت لرقابة شاملة موحدة، لكن تتداخل حالياً مسؤوليات مختلف الوزارات مع دور الهيئة مما يؤدي إلى استمرار حال التشتت.

أما ماذا يحدث في حال وجود مخالفة في مطعم، يجري إعطاء صاحبه مهلة زمنية لتصحيح الخلل، ولا يتم إغلاقه مباشرة، وذلك حرصاً على سلامة القطاع وسمعته. وفي حال جرى تسجيل حالات تسمم، يفرض المراقبون إجراءات تصحيحية مع مهلة زمنية للتصحيح، وإذا استوفى المطعم الشروط يعاد فتحه، وإلا فيتم وقفه عن العمل.

 

في جولات الهيئة على المطاعم لكشف المخالفات، يؤكد عوض أن المفاجآت تكون كثيرة. ترتفع نسبة المخالفات بصورة خاصة في البلدات النائية، مقارنة ببيروت مثلاً، إذ يعد أصحاب هذه المطاعم أنفسهم بعيدين عن الرقابة، وذلك باستثناء اللحوم التي تكون جودتها أعلى في مطاعم هذه القرى، وذلك بحكم تربية المواشي في مزارعها.

 

وتأتي كثير من المخالفات في المطاعم الكبرى صادمة، إذ يتوقع أن تنتهج أعلى معايير الجودة والسلامة، لكن بعضها يخالف بشدة، وإن كان هذا لا ينفي وجود مطاعم بالغة الجودة في أنحاء لبنان، تحافظ على معايير السلامة وتلتزم بكل التوجيهات.

 

ويشير عوض إلى أنه يقوم بجولات كثيرة سراً وبمفرده، وذلك لتجنب لفت الأنظار. وفي إحداها، كان في سوق اللحوم في صبرا ليلاً برفقة طبيب بيطري، وفوجئ بمشهد صادم في أكبر المجازر وأكثرها توريداً للحوم للمطاعم الكبرى، حيث يوجد لحوم ملقاة على الأرض، وأخرى مخزنة بطريقة خاطئة.

 

ويشير إلى أنه جرى تسجيل 731 حالة تسمم في مراكز إيواء تناول المقيمون فيها الوجبات من مطبخ واحد أثناء الحرب الأخيرة. وأظهرت التحقيقات أن السبب الأكبر يرتبط بالعاملين وقلة نظافتهم الشخصية أثناء تحضير الطعام.

 

وتحرص الهيئة على حث أصحاب المطاعم على اتباع الوسائل الحديثة لطهي الأطعمة وحفظها، لكن جانباً من هذه المطاعم يصر على الطرق والأدوات التقليدية، وذلك لضمان الربح السريع والكبير دون الاستثمار في صحة العملاء وسلامة الغذاء، وبعض هذه المطاعم مرموقة، وسمعتها الجيدة طاغية.

 

وزارة الصحة العامة أيضاً تقوم بدور بالغ الأهمية في الرقابة الصحية على المؤسسات الغذائية، من خلال فرق الرقابة الصحية التابعة لها، التي تشمل زيارات تفتيش دورية أو مفاجئة، إضافة إلى أخذ عينات مخبرية عند الحاجة. وتعطى الأولوية للمؤسسات أو المناطق التي تستدعي متابعة أكبر، وذلك استناداً إلى نتائج التفتيش السابقة أو الشكاوى الواردة.

 

وبحسب رئيسة مصلحة الطب الوقائي عاتكة بري، فإن عدد الموارد البشرية المتاحة في وزارة الصحة العامة دون المستوى المطلوب مقارنة بعدد المؤسسات الغذائية المنتشرة على مختلف الأراضي اللبنانية، خصوصاً في ظل الظروف الراهنة، مضاف إليها التحديات الاقتصادية التي تؤثر في المؤسسات الغذائية نفسها، وجودة الأطعمة المقدمة للمواطن. وترى بري أن الرقابة ركيزة أساسية في تعزيز سلامة الغذاء، وثبتت فاعليتها في كشف كثير من المخالفات ودفع المؤسسات إلى تصحيح أوضاعها والالتزام بالمعايير الصحية، مضيفة أن نجاح الرقابة لا يعتمد على وزارة الصحة وحدها، بل يتطلب تعاوناً بين مختلف الوزارات المعنية والبلديات.

 

من جهتها، تقوم وزارة الاقتصاد بحملات تفتيش لاعتبارها أيضاً معنية بالرقابة على المطاعم لكن في جانب مختلف منها. يقول مدير عام وزارة الاقتصاد الدكتور محمد أبو حيدر إن مديرية حماية المستهلك التابعة للوزارة أنجزت 6143 زيارة في النصف الأول من العام الحالي، وذلك للرقابة على المحال والمؤسسات التجارية التي تبيع وتصنع المواد الغذائية للتحقق من مدى تقيدها بالقوانين والأسعار والأوزان وشروط السلامة الغذائية.

 

من جهة أخرى، تحدث أبو حيدر أيضاً عن تداخل أعمال الوزارات والجهات المعنية، مما يؤدي إلى ارتباك ومشكلات. ويضيف أن الوزارة أحياناً تقوم بمهمات ليست ضمن مسؤولياتها، وذلك لتوفير الدعم وحماية المستهلك في ظل غياب المراقبين ووجود كثير من المشكلات في الهيئة تعوقها عن القيام بمهماتها كاملة.

 

وتتحمل وزارة السياحة في لبنان مسؤولية كبرى في الرقابة على المطاعم، فيما تواجه التحديات نفسها التي تواجهها الجهات الباقية المعنية كافة وترتبط بقلة الإمكانات والموارد المخصصة لها.

 

وبحسب رئيسة دائرة الشكاوى في وزارة السياحة كارول خوري، يتم شن غالب الجولات الرقابية في بيروت وضواحيها بسبب قلة المخصصات المالية للمراقبين، وعدم توافر سيارات لنقلهم من مكان إلى آخر.

 

وفي حال تلقي شكاوى من مناطق بعيدة مثل الشمال، يجري الإبلاغ عنها ليجري التعامل معها.

 

يشار إلى أن وزارة السياحة هي المسؤولة عن إعطاء الإجازات للمطاعم والمقاهي والفنادق، والتراخيص، ومسؤولة عن مراقبة الأسعار، وتاريخ صلاحية الأطعمة التي تقدّم، وكل التفاصيل الباقية، إضافة إلى التحقق من سلامة الغذاء والشهادات الصحية للعاملين في المطاعم.

 

وعلى رغم أن غالب الشكاوى يتعلق بالأسعار فإن البعض يشكو بسبب التسمم وقلة النظافة في المطعم، مما يؤدي إلى تحرير محضر ضبط إذا تم التأكد من المخالفة.

 

تتعدد الجهات المسؤولة عن الرقابة على المطاعم وضمان سلامة الأغذية، لكن في التعدد مشكلات وتضارباً وتداخلاً في الاختصاصات، على رغم أن كل الجهات تعاني نقص الإمكانات ومحدودية الموارد، والمتضرر الأكبر المطاعم وسلامة الغذاء وصحة المواطنين، لا سيما في ظل آثار حرب لم تلملم أغراضها بعد على أمل الرحيل.

 

سوريا… فساد مركب مع طفرة المطاعم

في سوريا، لملمت الحرب أغراضها فعلياً، وذلك بعد نحو عقد ونصف من القتال والتخريب الذي نال البنى التحتية والفوقية، وبينها قطاع المطاعم. صمد هذا القطاع إلى حد ملحوظ، لكن سلامة الأغذية والرقابة على المطاعم تظل شوكة في حلق كثر.

 

شهدت سوريا بعد عام 2011 طفرة في تعداد المطاعم التي تراوحت أعدادها بين مئات إلى آلاف تبعاً للمدن. هذه الطفرة حملت معها ضغطاً تنفيذياً على الجهات الرقابية والصحية، وبخاصة أنّ سوريا تعاني نقصاً فادحاً في البنية الرقابية، ناهيك عن مشكلات في سلاسل التوريد وآليات التبريد الآمنة، مما جعل الوجبات الغذائية في المطاعم من أكبر مهددات السلامة العامة، ومتسببة في حالات التسمم المتكررة.

 

في ريف دمشق فقط، سجُل عام 2025 أكثر من 200 حالة تسمم غالبها بسبب فساد صلصة الثوم (الثومية) المستخدمة في الوجبات الجاهزة، 150 منها فقط حدثت نتيجة تناول الطعام من محل فروج واحد.

 

طبيب الأمراض الهضمية في وزارة الصحة محمد الأسود يقول “المشكلات الكبرى والجماعية لا تحدث كثيراً، لكن الخطر في تكرار حوادث التسمم الصغيرة التي لا يجري تسجيلها رسمياً، لذلك نجد أنّ البيانات الرسمية لا تكشف عن آلاف الحالات، بينما حقيقة الأرقام كبيرة لكنّ فرديتها تجعلها تبدو قليلة طالما لا تسجل، وهنا يتضح ضعف الدور الرقابي الهائل الذي لا يتعامل مع تسمم إنسان كحالة مهمة وينتظر ليكون العدد كبيراً”.