منوعات
الأحد ١٩ نيسان ٢٠٢٦ - 20:06

المصدر: اندبندنت عربية

حين يشتد القلق تنتعش المهدئات… وجه خفي لحرب لبنان

كارين اليان ضاهر

 

ملخص

تشير الدراسات، بصورة عامة، إلى ارتفاع حاد في معدلات استهلاك مهدئات الأعصاب ومضادات الاكتئاب خلال الحروب والنزاعات. ففي مثل هذه الظروف، غالباً ما يزيد الطلب على مهدئات الأعصاب التي تساعد في معالجة القلق والأرق بصورة عامة لاعتبارها من المشكلات الشائعة، ويستخدمها بعضهم أيضاً كوسيلة للهروب من الواقع.

في ظروف الحرب، تزيد معدلات اضطرابات النوم والقلق والتوتر وغيرها من المشكلات، فتطاول معظم المواطنين. في الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع مستويات الحزن والإحباط إلى زيادة الطلب على مهدئات الأعصاب. وهذا ما يحصل خلال الحروب والأزمات عامة، ويتكرر في الحرب حالياً في لبنان. فيبدو واضحاً أن نسبة التهافت لشراء هذا النوع من الأدوية ارتفعت في هذه المرحلة، والأسوأ أن استهلاك مهدئات الأعصاب في لبنان يحصل بطريقة عشوائية ويحصل عليها كثر من دون وصفة طبية حتى، على رغم وجود القانون الذي يحظر ذلك.

استهلاك زائد لمهدئات الأعصاب والسبب معروف

تشير الدراسات، بصورة عامة، إلى ارتفاع حاد في معدلات استهلاك مهدئات الأعصاب ومضادات الاكتئاب خلال الحروب والنزاعات. ففي مثل هذه الظروف، غالباً ما يزيد الطلب على مهدئات الأعصاب التي تساعد في معالجة القلق والأرق لاعتبارها من المشكلات الشائعة، ويستخدمها بعضهم أيضاً كوسيلة للهروب من الواقع.

وفي السياق تؤكد دراسة نُشرت عام 2022 في مجلة “آفاق الطب النفسي” Frontiers in Psychiatry إلى ارتفاع حاد في معدلات الاكتئاب والقلق خلال الحروب، حيث تصل نسب الاكتئاب إلى نحو 38 في المئة والقلق إلى أكثر من 40 في المئة بين السكان المتأثرين بالنزاعات، ما ينعكس مباشرة على زيادة الطلب على مضادات الاكتئاب ومهدئات الأعصاب كجزء من الاستجابة العلاجية للأزمات النفسية المصاحبة للحروب.

وشهدت الحروب عبر التاريخ زيادة ملحوظة في استهلاك هذا النوع من الأدوية للسيطرة على الصدمات النفسية والتوتر واضطراب ما بعد الصدمة. وهذه الزيادة في الاستهلاك والطلب كانت تسجل بين الجنود والمدنيين على حد سواء، حتى أصبحت من الأدوية الأكثر طلباً. فما هو معروف أن الحروب تؤدي إلى أزمات نفسية عميقة تُشعر كثراً بالحاجة للجوء إلى أدوية مماثلة، حتى إن الحاجة إليها لا تقتصر على فترة الحرب، بل تستمر لما بعدها لمعالجة الآثار النفسية العميقة البعيدة المدى للمقاتلين والمدنيين. وحتى اليوم، في فترات الحروب يزيد الطلب عليها ويزيد بيعها حتى من دون وصفة طبية أحياناً، إذ يستخدمها كثرٌ في مواجهة ظروف الحرب وتداعياتها من خوف وقلق وأرق.

في حرب فيتنام مثلاً، سُجل ارتفاع هائل في الطلب على مهدئات الأعصاب والمخدرات بين الجنود الأميركيين، وفق تقارير عدة، هرباً من واقع المعارك والصدمات النفسية وللهروب من ظروف الحرب القاسية، فزادت معدلات استخدام العقاقير ومن بينها الكيتامين للتغلب على الهلع والخوف، ووصل بعضهم إلى حد الإدمان عليها مع تراجع معدلات الصلابة النفسية في الحرب، حتى إن طبيعة الحرب في فيتنام، ومن بينها العمليات التي عُرفت بـ”جرذان الأنفاق”، أدت إلى آثار نفسية عميقة استدعت اللجوء إلى مهدئات الأعصاب للتعامل مع الضغوط النفسية.

وبالعودة إلى الحرب الحالية في الشرق الأوسط وتحديداً في لبنان، فمن المحتمل ألا تكون هناك أرقام توضح حقيقة المشهد أو توثق للحالات بصورة تعكس الواقع، لكن يبدو واضحاً أن استهلاك مهدئات الأعصاب زاد بين المواطنين الذين يبررون ذلك بكثرة الضغوط النفسية المرتبطة بالحرب، واللافت أنه لدى التحدث معهم، يبدو واضحاً أن معظمهم لم يلجأوا إلى مهدئات الأعصاب بناء على استشارة طبيب.

تواصلنا مع نقيب مستوردي الأدوية جو غريب للتحقق من أي ارتفاع موجود في الطلب على مهدئات الأعصاب، فأكد بدوره أن معدلات سحب هذه الأدوية في الصيدليات لا يمكن أن يعكس معدلات الاستهلاك، ولا بد من انتظار فترة زمنية طويلة تجري فيها متابعة الطلب في الصيدليات لتحديد ما إذا كانت هناك زيادة فعلية في الاستهلاك، “أما ما يحصل اليوم أن كل من يعاني أمراضاً مزمنة ومن بينها تلك التي ترتبط بالأعصاب، لجأ إلى تخزين الأدوية في بداية الحرب وتهافت على شرائها بمعدلات زائدة. بطبيعة الحال، زادت مبيعات هذه الأصناف من الأدوية مع ارتفاع الطلب عليها، لكن هذا لا يعكس بالضرورة واقع زيادة استهلاك المواطنين لها”، لذلك، شدد غريب على أنه لا بد من انتظار مدة لا تقل عن ستة أشهر للتحدث عندها عن أية زيادة في الاستهلاك بما يعكس الواقع بالفعل.

إدمان على الكوكايين

يبدو المشهد مختلفاً على المستوى الطبي، بحسب ما أكد الطبيب الاختصاصي في الأمراض النفسية سامي ريشا الذي ميّز بين من كانوا يعالجون قبل الحرب من أية اضطرابات نفسية وكان هناك استقرار في حالاتهم، ومن لم تكُن لديهم مشكلات سابقة قبل الحرب، “فبالنسبة إلى الفئة الأولى، بدا واضحاً أنه من بداية الحرب، عاودت الحالات، وفقد هؤلاء الأشخاص الاستقرار الذي كانوا ينعمون به في حالاتهم. لذلك، كانت هناك حاجة لتقوية علاجاتهم وزيادة الجرعات نظراً إلى تدهور هذه الحالات. أما للتحدث عن اضطرابات مستجدة، فينتظر الأطباء عادة مرحلة ما بعد الحرب لتوصيف أكثر دقة. ما يبدو واضحاً أن الاضطرابات النفسية بدأت تظهر من الآن، لكن من المتوقع أن تزيد أكثر بكثير بعد الحرب. ففي الوقت الحالي، لا يكون هناك تركيز على الصحة النفسية بل تظهر ذيولها لاحقاً بعد انتهاء الأزمة والحرب. أما في الوقت الحالي، فهناك تركيز بصورة رئيسة على الأمان والغذاء فيما يأتي الاهتمام بالصحة النفسية في مرحلة لاحقة”.

وأضاف ريشا “كما أصبح معروفاً تظهر في مثل هذه الظروف اضطرابات من نوع اضطراب ما بعد الصدمة، وثمة توقعات اليوم بظهور عدد أكبر بكثير من الحالات خلال المرحلة المقبلة، بالمقارنة مع أزمات وحروب سابقة بما أن المواطن اللبناني عاش أزمات متتالية، ومع كل أزمة جديدة يكون أكثر عرضة لهذا النوع من المشكلات. وعلى إثر هذه الحرب، من المتوقع أن يزيد خطر التعرض لاضطراب ما بعد الصدمة المعقد، وقد بدأت الحالات المماثلة تظهر من الآن نتيجة التعرض لأزمات عدة في فترات متقاربة من دون استراحة بينها”.

وتابع أن “ما بدأنا نشهده فعلاً خلال هذه الحرب، هو ارتفاع معدلات الإدمان على الكوكايين. فثمة استهلاك متزايد لها خلال العامين الأخيرين على مستوى العالم، لكن بصورة خاصة في لبنان حيث يلجأ المدمن إلى الكوكايين لتوفير الإحساس بالنشوة والهروب من الواقع، إضافة إلى أنها رخيصة الثمن، علماً أن الإدمان على الكوكايين كان بدأ بالتزايد قبل الحرب حتى في مختلف الفئات العمرية، تحديداً بعد سن الـ 30. فهذه الظاهرة موجودة بكثرة لدى فئة الشباب، لكن أيضاً في مختلف الأعمار”.

فيما لم تصدر تقارير رسمية أو بيانات عن الجهات المعنية لتؤكد هذه المعلومة حتى الساعة.

وعلى رغم ذلك، لا تتوافر بعد أية دراسات تؤكد ارتفاع معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية أو ارتفاع معدلات استهلاك مهدئات الأعصاب بصورة موثقة. في المقابل، أكد ريشا أنه منذ أعوام عدة “ارتفع معدل استهلاك مهدئات الأعصاب في لبنان، تحديداً منذ الأزمة الاقتصادية عام 2019، مما يؤكده الصيادلة لاعتبار أن الطلب على هذا النوع من الأدوية زاد، ومعه تضاعفت معدلات الاستهلاك”.

وفي لبنان عام 2000، صدر قانون يمنع الحصول على مهدئات الأعصاب إلا بوصفة طبية وهو الوحيد الذي يتعلق بهذا الشأن ويتناول مهدئات الأعصاب حصراً من دون أن يتناول مضادات الاكتئاب حتى. وبحسب القانون، وحده الطبيب يمكن أن يصف هذه الأدوية لمن يحتاج إليها.

وعبّر ريشا عن أسفه لأنه ضمن مناطق عدة في البلاد تباع المهدئات لمن يطلبها من دون وصفة طبية، “هذا ما يؤدي إلى شرائها واستهلاكها بطريقة عشوائية، بما أن الناس لا ينتظرون الحصول على وصفة، ولا الحصول على استشارة طبية”.

وحذر من أن استهلاك مهدئات الأعصاب بطريقة عشوائية يؤدي إلى مشكلات عدة على رأسها خطر الإدمان الذي يكون مرتفعاً عندها، “إضافة إلى مشكلات يسببها ترتبط بالتركيز والذاكرة. فعلى رغم أن اضطرابات الذاكرة قد ترتبط بالضغط النفسي أحياناً، فإن الاعتماد على المهدئات هو سبب أساس لذلك، لا بل هو السبب الأهم. بالتالي إن اضطرابات الذاكرة التي يشكو منها المواطنون اللبنانيون غالباً تعود في جزء منها لكثرة الاعتماد على مهدئات الأعصاب، أما في ما يتعلق بتأثير فيروس كورونا، فلم يثبت بعد ما إذا كان سبباً لذلك لأن هذا الأثر لم يظهر بعد بوضوح ولم يثبت علمياً، بالتالي لا يمكن اعتبار الفيروس السبب وراء مشكلات الذاكرة”.

يضاف إلى ذلك أن للأدوية المهدئة للأعصاب تأثيراً في مستويات الوعي، وتزيد من خطر التعرض لحوادث سير. وأشار ريشا إلى أن “الهدف الأساس للطبيب يكون عادة التخفيف من الاعتماد على هذه الأدوية أو على أي نوع من الأدوية، لا وصف مزيد منها”.

من جهة أخرى، أوضح أنه لاحظ مشكلات كثيرة ترتبط بالتركيز في المدارس بين الأطفال، مما له صلة بالضغط النفسي، وبصورة خاصة الضغط النفسي الذي يعانيه الأهل وينتقل إلى أبنائهم.

زيادة في المشكلات النفسية يليها استقرار

من جهته شرح الطبيب الاختصاصي في الأمراض النفسية رامي بو خليل أنه لوحظ بالفعل ارتفاع في معدلات استهلاك مهدئات الأعصاب، كما يبدو من طلبات الوصفات الطبية الزائدة خلال هذه المرحلة، “لكن في الوقت نفسه، تصعب المقارنة مع المعدلات التي سجلت في الحروب السابقة والأزمات”، ورأى أنها قد تكون هي نفسها بالمقارنة مع تلك التي سجلت في الحرب الماضية أو في بداية الأزمة الاقتصادية، “بصورة عامة، عندما تكون الأزمة حادة وتبدأ قوية وصعبة ويغلب عليها طابع الغموض والذهاب إلى المجهول، يكون وقعها النفسي أشد حدة. بالنسبة إلى الحرب الحالية، لم تكُن مفاجئة بالمطلق، بل كانت متوقعة من قبل كثر، وحتى أنه كانت هناك استعدادات لها. ومثل هذه المعطيات قامت بدور في الحد من وقعها الصادم ومن التهافت الزائد على مهدئات الأعصاب، إنما لا يمكن أن ننكر أن الطلب على مهدئات الأعصاب بعد بداية الحرب، ليس كما قبلها وزاد بالفعل، وبصورة خاصة، سُجلت زيادة ملحوظة على المنومات”.

ويُعد القلق من أبرز الاضطرابات التي سجلت ارتفاعاً في معدلاتها خلال ظروف الحرب. أيضاً، لوحظت زيادة كبيرة في معدلات نوبات الهلع التي تستدعي اللجوء السريع إلى طوارئ المستشفى، إضافة إلى اضطرابات النوم، والخوف الزائد من القصف والغارات، واضطرابات القلق ما بعد الصدمة التي توقظ ظروف معينة ذكريات مؤلمة لدى أشخاص.

وأشار بو خليل إلى أن النساء والأطفال والمراهقين والمسنين ومن يعانون أصلاً اضطرابات نفسية يعتبرون أكثر عرضة لاضطرابات القلق والخوف في فترة الحرب، “كما أن ثمة أشخاصاً لديهم قدرات أقل على التأقلم بسبب عوامل معينة أو ظروف مثل أن يكونوا عاطلين من العمل أو لا مدخول مادياً لهم، أو أنهم غير قادرين على العمل عن بعد. في هذه الحالة، لا يكون لدى هؤلاء الأشخاص هامش في التحرك، مما يجعلهم أكثر هشاشة من الناحية النفسية بسبب زيادة الضغوط عليهم، وإلى جانب من هم من الفئات العمرية الأكثر هشاشة، هم الأكثر عرضة للاضطرابات النفسية، أما من يكون لديهم هدف من الحرب مثل المقاتلين مثلاً، فتكون وطأتها أخفّ عليهم”.

ما بعد انتهاء الحرب 

وأكد بو خليل أنه “مع انتهاء الحرب، من المتوقع أن تزيد المشكلات النفسية واستهلاك مهدئات الأعصاب بصورة ملحوظة، خصوصاً أن الأفراد يبدأون عندها بإحصاء الخسائر ويبدأ الاهتمام بالصحة النفسية والصحة عامة، فيما يكون التركيز خلال فترة الحرب على النجاة. وما يبدو واضحاً أيضاً أن مشكلات الإدمان تظهر بعد الحرب، إلا أن ذلك لا يعني أنها ترتفع بعد الحرب، بل قد تزيد خلالها لكنها لا تظهر إلا بعد انتهائها. ومن المتوقع أن تزيد المشكلات النفسية عامة بعد الحرب، كما جرب العادة”.

وأوضح أيضاً أن المشكلات تزيد قبل أن تعود وتستقر في مرحلة ما بعد أشهر وتعود للمستويات الطبيعية إلى حد ما، “بسبب قدرة الإنسان على التأقلم بعد ما يتم التعرض له من صدمات في المرحلة الأولى، وعندها تبدأ استعادة الاستقرار النفسي تدريجاً وإن بقيت مستويات الاضطرابات النفسية أعلى إلى حد ما من المستوى الطبيعي، فهي تصبح لاحقاً أقل بالمقارنة مع المراحل الأولى التي تشهد ارتفاعاً فيها”.