محلية
الثلاثاء ٢١ تموز ٢٠٢٦ - 10:59

المصدر: Kataeb.org

حكيم: لبنان أمام موعد مع التاريخ

أشار عضو المكتب السياسي في حزب الكتائب آلان حكيم كاتبًا في ICI Beyrouth إلى أن زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن تشكّل نقطة تحوّل في تاريخ لبنان، ففي ظل شرق أوسط يشهد إعادة تشكيل واسعة، حيث تتغير التوازنات الإقليمية بسرعة، قد تكون أمام لبنان فرصة لا يمكنه أن يسمح لنفسه بتفويتها.

ولفت إلى أن “منذ سنوات، يمرّ بلدنا بسلسلة من الأزمات التي هزّت بشكل عميق مصداقيته، فالانهيار المالي، والشلل المؤسساتي، والتوترات الأمنية، وهجرة مئات الآلاف من الشباب، أدّت تدريجيًا إلى ترسيخ فكرة أن لبنان بلد محكوم عليه بأن يتلقى الأحداث بدلًا من أن يؤثر فيها، غير أن التاريخ يثبت أن الدول لا تنهض فقط بفضل مواردها الاقتصادية، بل تعيد بناء نفسها عندما تعرف كيف تدرك اللحظات التي تمنحها فيها الجغرافيا السياسية نافذة من الفرص”.

وقال حكيم: “إن زيارة جوزاف عون إلى واشنطن تندرج تحديدًا في هذا السياق، فلا ينبغي النظر إليها على أنها مجرد لقاء دبلوماسي، بل كمحاولة لإعادة وضع لبنان في قلب النقاشات الاستراتيجية، فاستقبال لبنان في واشنطن لا يعني فقط حصوله على حضور دولي، بل يعني أن لبنان يعود ليكون طرفًا يُنظر إلى استقراره باعتباره مسألة ذات أهمية إقليمية”.

أضاف: “هذا الاعتراف بالغ الأهمية. فلا يمكن لأي دولة أن تطمح إلى جذب الاستثمارات، أو الحصول على دعم مستدام من المؤسسات المالية الدولية، أو استعادة ثقة الأسواق، إذا بقيت غائبة عن التوازنات الدبلوماسية الكبرى. وإن عودة لبنان إلى الساحة الدولية تشكّل بالتالي شرطًا أساسيًا لعملية نهوضه الاقتصادي”.

وردًا على سؤال، اعتبر حكيم أنّه قد تكون النتائج المحتملة عديدة. فتعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة وشركائها قد يسهّل دخول استثمارات جديدة، ويسرّع مشاريع إعادة الإعمار، ويدعم الإصلاحات الاقتصادية، ويشجّع الشركات الدولية على العودة إلى بلد لا يزال يمتلك مقومات كبيرة: موقعًا جغرافيًا فريدًا، وانتشارًا اغترابيًا مؤثرًا، ورأس مال بشريًا مميزًا، وإمكانات طاقوية لا تزال غير مستثمرة بشكل واسع، لكن اختزال هذه الزيارة في بعدها الاقتصادي فقط سيكون خطأ، فجوهرها الحقيقي هو استراتيجي.

وقال: “منذ عقود، يعيش لبنان حالة شبه دائمة من عدم الاستقرار، وكل توتر في الجنوب يذكّر بمدى بقاء مستقبلنا مرتبطًا بقرارات تتجاوز في كثير من الأحيان مؤسساتنا الوطنية، ولهذا الواقع كلفة هائلة؛ فهو يعرقل الاستثمارات، ويثني رواد الأعمال، ويدفع الشباب إلى مغادرة البلاد، ويمنع أي تخطيط طويل الأمد”.

أضاف: “لهذا السبب، فإن ترسيخ استقرار دائم على الحدود مع إسرائيل يمثّل على الأرجح أحد الأهداف الرئيسية لهذه الدينامية الدبلوماسية الجديدة. فكلمة “السلام” لا تزال تثير نقاشات حادة في لبنان، لما تحمله من تاريخ ومشاعر وجراح. لكن بعيدًا عن الكلمات، يجب أن يكون السعي إلى أمن مستدام هو الذي يوجّه التفكير”.

وشدد على أن “السلام ليس مكافأة تُمنح لهذا الطرف أو ذاك، بل هو أولًا أداة تخدم المصالح الوطنية. وبالنسبة إلى لبنان، فإنه يعني نهاية حالة عدم اليقين الدائمة التي ترهن تطوره منذ عقود. كما يسمح للدولة بتوجيه مواردها نحو المدارس، والمستشفيات، والبنى التحتية، والابتكار، والنمو، بدلًا من استنزافها في إدارة الأزمات الأمنية المتكررة”.

وقال: “لا يعني ذلك تجاهل الخلافات العميقة القائمة مع إسرائيل، ولا التقليل من حساسية هذا الملف في الرأي العام اللبناني. بل يعني الاعتراف بأن المهمة الأولى للدولة المسؤولة هي حماية مواطنيها، والحفاظ على أمنهم، وخلق الظروف اللازمة لازدهارهم. فإذا كان تحقيق استقرار دائم على الحدود الجنوبية يساهم في بلوغ هذه الأهداف، فإنه يستحق الدراسة بواقعية ومن دون أحكام أيديولوجية مسبقة”.

واوضح حكيم أنّه في العلاقات الدولية، لا تبني الدول تحالفاتها على أساس المشاعر، بل على أساس المصالح. فالولايات المتحدة ترغب في تجنب حرب إقليمية جديدة. وإسرائيل تسعى إلى تأمين حدودها الشمالية بشكل دائم. والدول العربية تريد شرق أوسط أكثر استقرارًا. أما لبنان، فهو يطمح ببساطة إلى استعادة حياة طبيعية، وإعادة بناء اقتصاده، وتأمين مستقبل لشبابه. وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لا تبدو هذه المصالح متناقضة، بل يمكن أن تتعزز بشكل متبادل”.

وقال: “يبقى السؤال الأساسي: هل سيتمكن لبنان من تحويل هذا التقاطع في المصالح إلى مكسب استراتيجي؟ لقد كان بلدنا، لفترة طويلة جدًا، ساحة تتصارع فيها القوى الأخرى لتحقيق خلافاتها. وقد حان الوقت كي يتوقف عن كونه أرضًا للمواجهة، ويعود لاعبًا يدافع عن مصالحه الخاصة، برؤية واضحة لمستقبله”.
وشدد على أنّه يمكن لزيارة جوزاف عون أن تساهم في تعزيز فكرة أساسية، وهي قيام دولة ذات سيادة كاملة، قادرة على ممارسة سلطتها على كامل أراضيها، واتخاذ القرارات التي ترسم مستقبلها بشكل مستقل. فالسيادة ليست شعارًا، بل تُقاس بقدرة الدولة على ضبط حدودها، وضمان أمن مواطنيها، والتحدث بصوت واحد عندما يتعلق الأمر بالحرب أو السلام أو السياسة الخارجية.

واعتبر حكيم أنّه نادراً ما يمنح التاريخ الدول فرصًا متعددة لتغيير مسارها. والفرصة التي تُتاح للبنان اليوم تستحق أن تُغتنم بشجاعة، ولكن أيضًا بواقعية. فالوطنية الحقيقية لا تتمثل في التمسك بالطرق المسدودة التي خلّفها الماضي، بل في التحضير للمستقبل. وإذا سمحت هذه الزيارة للبنان باستعادة مكانته بين الأمم، وتعزيز دولته، واستعادة ثقة شركائه، وفتح الطريق أمام استقرار دائم، فإنها ستكون قد شكّلت أكثر من مجرد نجاح دبلوماسي؛ بل ستكون الفصل الأول من طموح وطني جديد”.

وختم: “إن التحدي الحقيقي لا يكمن في معرفة ما سيُقال في أروقة البيت الأبيض، بل في معرفة ما سيقرر لبنان فعله بهذه الفرصة. فالدول الكبرى هي تلك التي تعرف كيف تدرك اللحظات التي يمدّ فيها التاريخ يده إليها. ويعود الآن إلى لبنان أن يثبت أنه مستعد لاغتنامها، وهذا ما يعمل جوزاف عون على تحقيقه”.