خاص
play icon
play icon pause icon
السبت ٦ حزيران ٢٠٢٦ - 16:05

المصدر: صوت لبنان

نسيب غبريل لصوت لبنان وشاشة vdl24: اقحام لبنان في الحروب بدّد فرصة التعافي.. والحلول المجتزأة خدعة!

رأى الباحث الاقتصادي والخبير المالي والمصرفي، الدكتور نسيب غبريل في حديث له ضمن برنامج “نحنا والاقتصاد” عبر صوت لبنان وشاشة vdl24 أن المشهد الاقتصادي اللبناني بات محكوما بسياسة الفرص الضائعة المتراكمة التي ما زال لبنان يدفع ثمنها غاليا من لقمة عيش أبنائه ومستقبلهم.

وفي قراءة تحليلية للواقع المالي، استذكر كيف تراجع معدل النمو السنوي في لبنان من 9% ليقبع عند مستويات متدنية ، معتبرا ان هذا التراجع جاء نتيجة سلسلة من الانتكاسات السياسية والأمنية المتلاحقة، بدءا من سقوط حكومة الرئيس الحريري، مرورا بالتدخل في الاحداث السورية، وصولا الى مخاصمة الدول العربية الخ…، وهي عوامل مجتمعة حرمت لبنان من تدفقات مالية وودائع ضخمة كان يمكن ان ترفع حجم الودائع .

ولفت غبريل الى ان مطلع عام 2023 حمل معه مؤشرات جديّة لبدء الخروج من النفق المظلم، حيث شهدت تلك الفترة اعادة تموضع ذكية للقطاع الخاص، وتحسنًا ملحوظا في رواتب موظفيه بهدف الحفاظ على الكفاءات بالتوازي مع خروج الشركات المتعثرة من السوق.
وأوضح انه في تلك الاثناء، اتخذ مصرف لبنان قرارا شجاعا بوقف تمويل الدولة وسحب الكتلة النقدية بالليرة من التداول، مما انعكس ايجابا على استقرار سعر الصرف وترافق مع موسم سياحي مميز، مؤكدا ان كل هذه المعطيات كانت تدفع بالاقتصاد اللبناني نحو تحقيق نسبة نمو واعدة، لولا التدخل واقحام لبنان في الحرب التي أحدثت صدمة غير متوقعة وتسببت بانكماش اقتصادي حاد.

اما مع الدخول في مطلع عام 2026، فقد لفت الى ان الرهانات على ترجمة الاصلاحات الحكومية الى واقع ملموس قد تبددت، فبالرغم من كل التطمينات السابقة بان لبنان لن يُستدرج الى الصراع، أقحم البلد في “حرب الاسناد الثانية”.

وكشف ان التقديرات الأولية اليوم تشير بدلا من جني ثمار النمو الى انكماش اقتصادي حاد، مما يعني ان حجم الفرص الضائعة في السنوات الـ3 الاخيرة شكل خسارة نمو تراكمية بنسبة 25%.

وشدد على انه اذا ما نظرنا الى الفترة الممتدة بين حربي الاسناد (غزة وايران)، نجد ان لبنان عاش نحو 32 شهرا في حالة حرب مستمرة ومن الطبيعي في ظل هذه الأجواء الأمنية المعقدة ان يتكبد الاقتصاد كلفة باهظة من الفرص المهدورة.

وفي سياق تشخيص الأزمة، توقف عند تقرير بحثي صادر عن صندوق النقد الدولي، واشار الى ان الصندوق أدرج أزمة لبنان ضمن “الأزمات النظامية” التي تصيب القطاعات المصرفية حول العالم.

وأكد ان الجذور الحقيقية للأزمة محليا تكمن في سوء الحوكمة الرشيدة من قِبل الحكومات المتعاقبة، والارتفاع غير المدروس في النفقات العامة دون اقرار موازنات، والتوظيف العشوائي في القطاع العام لغايات انتخابية الخ..

وذكر انه ورغم ان اجراءات الحكومة الحالية كانت تسير ببطء، الا ان خطاب القسم رسم خارطة طريق واضحة للاصلاح كان على الحكومة تطبيقها لولا ان الحرب جمدت كل شيء.

وفي السياق نفسه، انتقد القرارات والسياسات التي رافقت اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية، مؤكدا انه كان من الواجب تطبيق قانون “الكابيتال كونترول” فورا في بداية عام 2019 كما كان على السلطة تجنب قرار التخلف عن دفع سندات “اليوروبوندز” الذي اعتبره قرارا سياسيا بامتياز، تسبب بتهميش لبنان وعزله عن النظام المالي العالمي وأدى الى الانهيار المتسارع لليرة.
واضاف ان سياسة الدعم لبعض السلع استنزفت ما بين 12 الى 14 مليار دولار من اموال الاقتصاد دون ان يستفيد منها المواطن وهي ذهبت لايدي المحتكرين والمهربين قبل ان يستغل النظام السوري الوضع للحصول على الدولار.
كما وصف “خطة لازار” بأنها كانت تهدف للاطاحة بالقطاع المصرفي، معتبرا انه من الجيد اننا لم تصل الى تطبيقها بعدما تلطت حكومة حسان دياب خلفها.

وعن الفاتورة الاقتصادية للحرب الراهنة، جزم ان الخسائر المادية لا يمكن احصاؤها بدقة حاليا، موضحا ان الأرقام المتداولة تفتقر للمسح الميداني الذي لا يمكن اجراؤه الا بعد توقف العمليات العسكرية، ومؤكدا في الوقت ذاته ان حجم الدمار الحالي أكبر بكثير من حرب الاسناد الاولى.

وحول كلفة إعادة الإعمار، أطلق غبريل موقفا حاسما قائلا: “يجب على من ورّط لبنان في هذه الحرب ان يتحمل كلفة الإعمار، وليس الدولة اللبنانية”.

اما على الصعيد الضريبي الداخلي، فقد لفت الى انه ما من قطاع اقتصادي قادر اليوم على تحمل اي زيادات ضريبية، مطالبا الحكومة بالتراجع الفوري عن ضريبة البنزين والبحث عن وسائل واساليب لتخفيف الاعباء عن القطاع الخاص كي يلتقط انفاسه ويقود عملية انعاش الاقتصاد مجددا.

وشدد غبريل على ان الحل للازمة اللبنانية لا يمكن تجزئته، واصفا محاولات حصر الازمة في اسباب تقنية او اهمال اداري بانها “تعمية مقصودة ومحاولة لفرض سردية مشوهة”.
وقال ان الحل يجب ان يكون شاملا يبدأ من الشق الدبلوماسي والأمني اولا، من خلال احتكار الدولة لحصرية قرار السلم والحرب وبسط سيادتها كاملة، واعادة ترميم العلاقات مع دول الخليج العربي ومحاربة اقتصاد الظل والتهريب عبر الحدود لإخراج لبنان من “اللائحة الرمادية”.

وحذر من ان الاصرار على المعالجات التقنية المجتزأة لن يقدم حلا لملف الودائع، خاصة في ظل وجود سلطة سياسية تعيش في برج عاجي وتتهرب من المسؤولية، مقابل جهة أمنية تتصرف وكأنها فوق الشرعية وتجر لبنان الى الحروب.

ولفت الى انه طالما استمر هذا الوضع، فان المستفيد الوحيد هم المضاربون والدولة اللبنانية التي شطبت نحو 12 مليار دولار من حجم دينها العام على حساب جيب المواطن، مما عمق أزمة الثقة بينهما.
وخلص الى ان عام 2026 يطوي ايامه كسنة للفرص الضائعة سياحيا واقتصاديا، وان الهدف الاساسي اليوم يتجاوز وقف الحرب المدمرة نحو ثلاثة اهداف استراتيجية: اعادة لبنان الى خارطة التنافس الاقتصادي العربي والاقليمي، اعادته الى النظام المالي والمصرفي العالمي، وتأمين
عودة النازحين واعادة الاعمار بالتوازي مع رزمة اصلاحات حقيقية تستعيد الثقة المفقودة.